لبنان وتراجع الفيتو - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان وتراجع الفيتو - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 04:18 صباحاً

لم تُفضِ جولة واشنطن الثانية بين لبنان وإسرائيل إلى اختراق حاسم، لكنها فتحت مساراً سياسياً لم يكن متاحاً قبل أشهر.

 

صحيح أن الهدنة الممددة لا تزال هشة، وأن الجنوب لا يزال تحت الضغط والخروق والإنذارات، لكن الصحيح أيضاً أن انتقال الدولة اللبنانية إلى هذا المسار المباشر يكشف أن شيئاً مهماً تبدل في الداخل اللبناني وفي البيئة الإقليمية المحيطة به. كما يكشف أن الملف خرج من المظلّة الفرنسية التقليدية إلى مسار تفاوضي ترعاه واشنطن مباشرة وبصورة شبه حصرية.

ما نشهده لا يعود إلى تغير مفاجئ في الموقف السياسي بشأن السلام، بل إلى واقع أمني جديد. عقبة "حزب الله" التي عطلت الدولة اللبنانية لعقود بدأت تضعف، ومعها بدأ يتراجع الفيتو الذي صادر قرار الحرب والسلم وحوّل لبنان إلى جبهة مفتوحة تخدم حسابات تتجاوز مصالحه. وبذلك صار التحدي الحقيقي هو قدرة لبنان على التصرف كدولة تملك قرارها وحدودها وأمنها. ومن التناقض الواضح أن من احتكر قرار الحرب والسلم خارج الدولة طوال سنوات، صار يطالب اليوم بتوافق وطني على التفاوض.

 

عقدة مختلفة

ولفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى اتفاق 17 أيار/مايو 1983. يومها سقط الاتفاق لأن لبنان لم يكن يملك قراره، ولأن الفيتو السوري كان أقوى من الدولة اللبنانية نفسها. أما اليوم فالعقدة مختلفة في شكلها، لكنها شبيهة في جوهرها. الفيتو لم يعد سورياً، بل إيرانياً عبر "حزب الله". ومع ذلك، تختلف لحظة اليوم عن الثمانينيات في نقطة أساسية، وهي أن الإقليم تغير، وسوريا تغيرت، والعالم العربي تغير، ولم يعد لبنان قادراً على البقاء رهينة لسلاح يُبقيه ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.

ولا يبدو الحديث عن فرص السلام بين لبنان وإسرائيل مصلحة إسرائيلية فقط، كما يحاول البعض تصويره. مصلحة لبنان أولاً أن يخرج من منطق الجبهة الدائمة. ومصلحة اللبنانيين أن يعود قرار الأمن إلى الدولة والجيش، لا إلى تنظيم مسلح مرتبط بقيادة خارج الحدود. ومصلحة المنطقة أن يُفصل لبنان عن الحرب الإقليمية، وأن تتوقف طهران عن استخدام ساحته ورقة تفاوضية موازية. وهذا ينسجم مع الموقف الإماراتي الداعم لوقف النار وحصر السلاح بيد الدولة. فاستقرار لبنان لم يعد شأناً لبنانياً صرفاً، بل بات جزءاً من استقرار أوسع في جواره السوري والعربي، وجزءاً من أمن الخليج أيضاً في مواجهة منطق الأذرع والميليشيات الذي لا يحترم هدنة ولا سيادة.

 

الأمن والتنمية

أي قراءة واقعية للمشهد يجب أن تربط بين الأمن والتنمية. لبنان من دون ميليشيا تمسك بقرار الحرب والسلم يصبح أكثر قابلية لعودة الاستثمار العربي، وخصوصاً الخليجي، وأكثر قدرة على استعادة السياحة والخدمات والثقة المالية. وفتح أفق تفاوضي، ولو هشاً، يخفف كلفة المخاطر ويعيد لبنان إلى حسابات الاستثمار والإعمار. كما أن أمن لبنان مرتبط بأمن سوريا والعكس، لأن استمرار الحزب تنظيماً مسلحاً عابراً للحدود يعني إبقاء البلدين معاً داخل بيئة الاختراق والتهريب والفوضى.

ولا ينبغي في المقابل المبالغة في التفاؤل. ما يجري حتى الآن لا يزال أقرب إلى تفاوض ضرورة منه إلى سلام مكتمل. وتزيد هشاشته مع ضيق الوقت، ورغبة إسرائيل في حسم اتجاه المفاوضات سريعاً، واستمرار الاشتباك الميداني. إسرائيل تدخل هذا المسار من موقع تفوق عسكري واضح، ولا تزال حساباتها تثير أسئلة جدية في ضوء تمسكها بالمنطقة العازلة وما يُعرف بالخط الأصفر. والدولة اللبنانية، رغم جرأتها، لا تزال تواجه "حزب الله" الغائب عن الطاولة والحاضر على الأرض. لهذا قد يكون السقف الواقعي في المرحلة الحالية اتفاقاً مرحلياً ذا طابع أمني، أو ترتيبات أوسع تمهد لاحقاً لما هو أكبر.

ومع كل هذه القيود، تبقى الصورة الكبرى أوضح من أي وقت مضى. السلام الحقيقي في لبنان لا يبدأ من شكل الاتفاق ولا من اسم المسار، بل من اليوم الذي ينتهي فيه احتكار "حزب الله" لقرار الحرب والسلم، ويعود لبنان دولة كاملة السيادة، لا تُدار من الميليشيا ولا تُستخدم ساحة لحروب الآخرين، بل تعود إلى مسار الاستقرار والتنمية.

 

*كاتب إماراتي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق