نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سدّ الذرائع - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 05:31 صباحاً
إنسانية الإنسان ترفض الانغلاق والتقوقع
العلامة السيد محمد حسين فضل الله
نصت المادة 100 من مجلة "الأحكام العدلية" على قاعدة فقهية لا تزال راسخة ومعتمدةً لدى المحاكم اللبنانية، تقول: "مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ". وغايتُها منع التناقض في التصرفات التي يلتزمها الأفراد والجماعات. يقابل هذه القاعدة ما يسمى "الإستوبل" (Estoppel) في القانون الأنكلوسكسوني.
وفي أعراف العالم وقوانينه، قاعدة أخرى مفادُها أن أحدا لا يستطيع الاستفادة من غشه.
Nul ne peut se prévaloir de sa propre turpitude
وعلى هذا، إذا أردنا رسم صورة واقعية لخلاص لبنان، وجب علينا الاحتكام إلى القواعد التي هي في حقيقتها توازن المجتمعات، واتزانها، بدليل أنه عبر التاريخ المعروف، لم يحاول مرة أصحاب القوة ليَّ عنق هذه القواعد، إلا وأودوا ببلدهم وأهلهم وأنفسهم إلى حقول مغناطسية تندثر فيها المعايير، ويغيب الاستقرار، ويحل الهول الكبير.
وكي لا أسهب، أذهب إلى طرح هذين السؤالين: لماذا يحتج "حزب الله" بهذه القسوة على قرار هيمنة الدولة على مؤسساتها وجمع السلاح تحت سيطرتها، وهو الذي لم يتساهل قطّ مع تعدد المقاومات ضد الاحتلال، فقمع حركة "جمول" التي أنشأتها "الحركة الوطنية" السابقة بالاغتيال والملاحقة، وفعل الشيء نفسه مع مقاتلي حركة "أمل" في احتراب دامٍ خلَّفَ خسائر فادحة وندوبا عميقة؟
كذلك، لماذا لم يُوَفِّ المقاومون حق المقاومة بعد التحرير كي تُعْطى مكانتها في التاريخ الوطني، وتنال ما تستحقه في الوجدان، بل ذهبوا بها إلى تحوير بنيتها من وسيلة إلى هدف ضبابي دائم، لا يُرى ولا ينتهي؟
إن من يتابع محللي الإعلام الممانع يشفق عليهم من اضمحلال الحجة، واختلاق المتَوَهَّم واستعادة الكلام المكرر الذي يملّه قائله. فالتحجج مثلًا بأن المقاومة حق لكل من تقع بلاده تحت الاحتلال، لا يعني أنها حق حصري للفئة التي ينظمها حزب حديدي، ويطغى على شعاراتها انتماء إيراني لا لَبْس فيه، لأن من حق سائر اللبنانيين أن يقاوموا أيضا وينتهجوا أسلوبا مختلفا عن أسلوب الحزب الذي لم تثبت نجاعته، ويؤكدوا انتماءهم إلى لبنان دون سواه.
منذ ابتكار ذريعة مزارع شبعا، لم يتحرر منها شبر واحد، فيما تزايدت قوة الحزب العسكرية أضعافا مضاعفة لم تُسْتَثْمَر لمصلحة المزارع إلا بـ"عمليات تذكيرية" وفق التعبير المعروف. ويذكر أنه في 16 حزيران 2008 أكدت الوزيرة كوندوليزا رايس من القصر الحكومي، أن الولايات المتحدة تعتقد أنه أزف وقت التطرق إلى موضوع مزارع شبعا وفقا للقرار 1701، فردّت قناة "المنار" بأن الهدف من هذا التصريح تجفيف شرعية المقاومة (من أوراق الرئيس فؤاد السنيورة).
اليوم يكاد السجال السياسي أن ينزلق إلى احتكاكات أهلية لا تخلو من الخطورة، وهو لم يحتكم يوما إلى الواقعية ولا إلى صون مصالح اللبنانيين التي لم تزل تنزف بلا شفقة، خدمة لخطاب من هنا، وشعار من هناك.
من جهة ثانية، تَابَعْتُ مقابلة رئيس حزب "القوات اللبنانية" على قناة "الجديد"، وقد لوَّح فيها بلغة أخرى وأسلوب آخر في التعامل مع المعضلة اللبنانية إذا بقيت على استعصائها. هو لم يدْعُ إلى قمع "حزب الله" عسكريا، ولم يجازف بالكلام عن حرب أهلية مستحيلة، وإنما اكتفى بتلميح إلى المسكوت عنه (لكل حادث حديث)، فتكهنتُ بأنه قد يكون نوعا من التنصل من الصيغة اللبنانية، والنكوص إلى مجتمع آخر يفضُّ شراكته مع الممانعة وبيئتها.
توجست من هذا لأن مناخا فكريا بدأت ملامحه بالظهور، يعبّر عنه ساسةٌ وكَتَبةٌ ويحرز بعض القبول في هوى قسم من الناس.
ورغم هذا، فإن هاجسي لا يصل إلى حد الهلع، لإيماني بأن الكثرة الكبرى من اللبنانيين - باستثناء الممانعة التي لا يُسْتَقَلَّ شأنها على الإطلاق- يجمعها موقف واحد مؤيد للدولة ومؤسساتها ورؤسائها وجيشها، وأنها ليست في وارد الذهاب إلى مُتحداتٍ مُخَلَّقة، لا يُعْرَفُ نَسَبُها وأصلها وفصلها وحدودها ومواردها، كما لا يعرف أعداؤها من حلفائها.
يضاف إلى هذا أن ما يبدو الآن أمرا عصيا على الحل، قد يكون في غد أوهى مما يبدو عليه، فيما لو تألَّفتْ بعض الظروف المؤاتية التي قد تسفر عنها المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بمواكبة سياسة حازمة تنتهجها الدولة اللبنانية، تبدأ بالأمن الاستباقي مرورا بإثبات وجودها وجدارتها تجاه الداخل والخارج.
وإذا كان لي أن أعود إلى المادة 100 من قانون مجلة "الأحكام العدلية" الآنفة الذكر، فلأشير إلى أن من لا ينكر مسؤوليته عن التسبب بالعدوان الإسرائيلي الضاري الذي يجعل الجنوب أرضا يبابا، لا يحق له أن يعيب على الدولة محاولتها امتصاص النتائج المدمرة التي خلفها ويخلفها هذا العدوان المستمر، أو يعيب عليها محاولاتها لاسترداد الأرض المحتلة، بحجة عدم الإجماع، لأنه هو الذي كان ينقض الإجماع والاتفاقات، كلما ارتأى ذلك، من دون أن يقيم وزنا لمصالح اللبنانيين أو إرادتهم. هنا أتوقف عند نقطة حساسة وأقول بملء الصراحة، إن على أهل الحل والعقد التنبه إلى أن الدعوة إلى فك الشركة ستفضى حتما إلى وضع كل "جمهورية" تحت وطأة حصارات خارجية وداخلية لا تحمد عقباها، وأن دفء المواطنة وحده هو الذي يُدَثِّرُ المواطنين وَيُلْحِفُهُم من صقيع البعثرة.
خلاصة هذا أننا حيال نهج عقائدي أصابه التحجر، ونهج آخر يستسهل المغامرة بالذهاب إلى خلاص متعجل مزعوم، وكلاهما مبنيان على التمرد على الدولة، في حين أن تمردين لا يصنعان دولة.
على القوى السياسية العمل لسد الذرائع، بدءًا من ذريعة مزارع شبعا وصولا إلى ذريعة "نريد حلًّا فوريّا مهما كان الثمن"، فسد الذرائع قاعدة شرعية ووطنية لتلافي خسارة الوطن الثمين.











0 تعليق