نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سوريا تنظّم التظاهر… أم تعيده إلى "الموافقة الأمنية"؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 7 مايو 2026 06:15 صباحاً
عاد الجدل بشأن حدود حرية التظاهر في سوريا إلى الواجهة، بعد بلاغ أصدرته وزارة الداخلية لتنظيم التظاهر السلمي، قالت إنه يهدف إلى حماية حق التعبير وضمان الأمن العام وسلامة المواطنين، فيما اعتبره منتقدون خطوة تعيد التظاهر إلى منطق الترخيص المسبق و"الموافقة الأمنية"، خصوصاً مع ربط التجمعات غير المرخصة بمواد عقابية تتعلق بالشغب والإخلال بالأمن.
وبحسب البلاغ، يتعين على الراغبين في تنظيم تظاهرة سلمية تشكيل لجنة منظمة من رئيس وعضوين على الأقل، تتولى تقديم طلب الترخيص إلى المحافظة المعنية وفق نموذج محدد. وتحيل المحافظة الطلب، مرفقاً بتوصياتها، خلال 24 ساعة إلى لجنة مختصة للبت فيه، من دون أن يوضح النص المنشور تركيبة هذه اللجنة أو الجهة التي تسمي أعضاءها.
وتملك اللجنة مهلة لا تتجاوز خمسة أيام للرد، فيما يعدّ عدم الرد موافقة ضمنية، على أن يكون الرفض معللاً وقابلاً للطعن أمام محكمة القضاء الإداري.
كذلك، ألزم البلاغ وزارة الداخلية بتوفير الحماية اللازمة للتظاهرة، لكنه حمّل اللجنة المنظمة مسؤولية الحفاظ على النظام ومنع أي قول أو فعل يخالف مضمون الترخيص. وشدد على منع حمل السلاح، حتى لو كان مرخصاً، كما منح الوزارة حق طلب إنهاء التظاهرة أو فضّها إذا تجاوزت حدود الترخيص، أو وقعت أعمال شغب أو أفعال جرمية أو ممارسات تخل بالنظام العام أو تعيق السلطات عن أداء واجبها.
ما هي خلفية البلاغ؟
ويأتي البلاغ بعد أسابيع من محاولة الاعتداء على مقر السفارة الإماراتية في دمشق مطلع نيسان/أبريل، وهي حادثة دفعت وزارة الداخلية إلى التشديد على حماية البعثات الديبلوماسية، وأعقبتها تصريحات رسمية عن دراسة إصدار قانون لتنظيم التظاهر. لذلك يمكن وضع البلاغ في سياق محاولة السلطة ضبط الشارع بعد حادثة خرجت عن الطابع السلمي، من دون حصر دوافعه بها وحدها.
وقد وجد البلاغ تأييداً لدى شخصيات رأت فيه خطوة نحو مأسسة الحياة العامة. رئيس المكتب السياسي لحركة العمل الوطني محمد ياسين نجار وصفه بأنه "خطوة هامة لاختبار التنوع وتنظيم الحياة العامة"، معتبراً أنه يمثل اعترافاً بحق التعبير والتعددية.
وفي الاتجاه نفسه، رأى رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا أحمد جاسم الحسين أن تنظيم التظاهر "قرار حكيم"، مقارناً إياه بتجارب أوروبية تطلب فيها السلطات معلومات عن الجهة المنظمة والمكان والعدد المتوقع والهدف، لتأمين الحماية لا لمنع التظاهر بالضرورة.
جدل "الترخيص" وذاكرة قانون 2011
لكن الاعتراضات تركزت على طبيعة التنظيم لا على مبدأ التنظيم نفسه. فالبلاغ يستخدم صراحة عبارة "طلب الترخيص"، ولا يكتفي بمبدأ الإخطار المسبق.
ومن هنا، اعتبر كنان النحاس، عضو مجلس الشعب الذي لم يستكمل تشكيله بعد، أن البلاغ "أقرب إلى الحالة القديمة من القوانين"، لأنه يندرج ضمن طلب الترخيص لا الإخطار، محذراً من الاستعانة بقوالب قانونية قديمة في "سوريا جديدة" يفترض أن تبحث عن أدوات أكثر مرونة وحداثة.
أما الكاتب والخبير القانوني ميشال شماس، فاعتبر أن البلاغ أعاد فرض الشروط نفسها التي فرضها قانون التظاهر رقم 54 لعام 2011، والذي نص على حق التظاهر من حيث المبدأ، لكنه ربط ممارسته بترخيص مسبق من وزارة الداخلية.
ويتركز اعتراض شماس أيضاً على أن تنظيم حق دستوري مثل حرية التظاهر لا يتم، من وجهة نظره، ببلاغ إداري صادر عن وزارة تنفيذية، بل بقانون يصدر عن سلطة تشريعية.
وتكتسب المقارنة مع قانون 2011 أهميتها من التشابه في الفلسفة العامة: الاعتراف بالحق من حيث المبدأ، مقابل تعليق ممارسته على موافقة إدارية مسبقة، ومنح الداخلية صلاحية إنهاء التظاهرة أو فضّها إذا تجاوزت حدود الترخيص أو أخلّت بالنظام العام.
إلا أن أحمد جاسم الحسين اعتبر هذه المقارنة "ظالمة"، ورأى أن مساواة البلاغ بقانون تظاهر النظام السابق تنطوي على إساءة لسوريا ولضحاياها، مستنداً إلى اختلاف السياق ووجود هامش واسع للتظاهر منذ سقوط نظام بشار الأسد.
ومع ذلك، يبقى السؤال القانوني مطروحاً بشأن ما إذا كان الحق في التظاهر يحتاج إلى تنظيم يسهّل ممارسته، أم إلى موافقة إدارية تمنحه الشرعية مسبقاً.
نص البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية السورية. (موقع الوزارة)
معايير دولية واختبار التطبيق
بدوره، رأى الحقوقي المعتصم الكيلاني أن تنظيم ممارسة الحقوق والحريات لا يعدّ انتقاصاً منها إذا جاء ضمن إطار واضح ومحدد، لكنه اعتبر أن اشتراط الترخيص المسبق يضع حق التظاهر في موقع التقدير الإداري، ويحوّله من حق أصيل إلى امتياز مشروط بموافقة السلطة التنفيذية.
وانتقد الكيلاني أيضاً العبارات الفضفاضة مثل "النظام العام" و"إعاقة السلطات عن أداء واجبها"، لأنها قد تفتح الباب أمام تأويلات واسعة في التطبيق.
وترتبط هذه الملاحظات بمعايير دولية تميز بين الإخطار المسبق، بوصفه إجراءً هدفه تمكين السلطات من حماية التجمع وتسهيله، وبين الترخيص الذي يجعل ممارسة الحق معلقة على موافقة إدارية.
كذلك، لا يقر البلاغ بوضوح بالتجمعات العفوية التي قد تفرضها أحداث طارئة، ولا يميز بما يكفي بين مخالفة إجرائية بسبب غياب الترخيص، وبين تجمع عنيف أو فعل جرمي.
لذلك، لا يتمحور الجدل حيال الحاجة إلى قواعد تمنع العنف وتحمي المتظاهرين والممتلكات العامة والخاصة، بل بشأن طبيعة هذه القواعد وحدودها. فالبلاغ قد يشكل خطوة أولى لتنظيم حق ظل لعقود مدخلاً للقمع، لكنه يضع السلطة الجديدة أمام اختبار التطبيق: هل سيكون التنظيم وسيلة لتسهيل التظاهر وحمايته، أم مدخلاً لإعادته إلى منطق الترخيص والمنع؟










0 تعليق