نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هدنة مستحيلة - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 12:43 مساءً
د. جويل رمزي فضّول
حين تبدأ تلك المعركة الطّاحنة داخل صدرك... يجلس العقل كالقاضي ماسِكًا بيده مطرقة حادّة، والقلب كالمُتّهم يُفتّش عن كلّ الحجج مُبرِّرًا أفعاله.
القلب: يبدو كأنّ الجليد بدأ يذوب، ألا يمكننا أن نعود؟
العقل: كُفَّ عن الهذيان! أن تلين الآن يعني السّقوط مُجدَّدًا. لقد ساعدتُك وأريتُك الطّريق. لماذا تعود إلى تلك القنابل الموقوتة؟! وذلك الحقل المليء بالألغام؟
القلب: لكنّني أتألم.. هذا الصّمت يقتلني. أريد أن أصرخ، أريد أن أركض نحوهم، أن أضمّهم بين ذراعيّ. ألا تشعر بمرارة دمعي؟
العقل: أرى دمعك وأكاد أُجنَّ. كيف بإمكانك أن تنسى؟ كيف بإمكانك أن تنسى مرارة اللّيالي الّتي أمضيتها؟ ألا تتذكّر طعم الخذلان؟ ألا تتذكّر كيف كنت تستجدي المُساعدة؟ ألا تتذكّر كيف كان نبضك يتقطّع؟

القلب: لعلّني أتناسى كلّ ذلك لشدّة تعلّقي بهم. لعلّهم تغيّروا... لعلّي تغيّرت... لعلّي أصبحت أقوى. أريد أن أرمّم ما انكسر.
العقل: لن أسمح لك بذلك، سألجمك بكلّ ما أوتيت من قوّة. سأضربك بسوط الكرامة لتستيقظ من كلّ ذلك. عُد إلى رسم كلّ ما مررتَ به.
القلب: كيف لكَ أن تكون قاسيًا إلى هذا الحدّ؟ لِماذا لا ترحم؟
العقل: وهل هم رحموك؟ هل سألوا عنك وأنتَ تموت في اللّحظة الواحدة ألف مرّة ومرّة؟ أين الوعود الّتي وعدتها لنفسك؟ ألا تظنّ أنّك تستحقّ الأفضل؟
القلب: أراهم في كلّ مكان. ذكرياتنا تُرافقني أينما ذهبت. رائحتهم، صورهم، مغامراتهم، موسيقاهم، أصواتهم... كيف لي أن أنساهم؟
العقل: أنت من يتشبّث بها! أنتَ من يتمسّك بها. كلّ ذلك انتهى! اخرج من هذه الدّوّامة، ولمرّة واحدة اسمع ما أقوله! ثِق بي...
القلب: صدري يضيق وأكاد أفقد قواي. أريد أن أعود إليهم، ولو للحظة... ولو لفرصةٍ أخيرة.
العقل: تعود؟! ألم تفهم بعد أنّهم يتلاعبون بك كما يشاؤون، يتركونك تنزفُ ويعودون حينما يحلو لهم ذلك؟ أَتَهوى العذاب أنت؟
القلب: أنا أهواهم! أهوى الحياة الّتي أشعروني بها! أهوى عمري بقربهم... لكنّ فتورهم يقتلني، وحيرتهم تُرهقني.
العقل: أرأيت؟ ولماذا المحاولة مُجدَّدًا؟ ما الّذي سيتغيّر الآن؟ وعن أيّ عمر تتحدّث؟ عن أيّ حياة؟ وهل هذه هي الحياة الّتي ترغب في الحصول عليها؟ وهل هذه هي الحياة الّتي تستحقّها؟!
القلب: ماذا لو اختلف الأمر هذه المرّة؟!
العقل: ماذا لو خذلوك مُجدَّدًا؟ ماذا لو سقطتَ سقطة مدويّة مُجدَّدًا؟
القلب: ولكن، ماذا لو تمكنّا من الوصول إلى هدنة؟
العقل: إذن، تأكّد بأنّها لن تكون سوى... هدنة مستحيلة!













0 تعليق