توقعات المعادن الثمينة: صعود قوي للذهب والفضة مع تفاقم أزمة الثقة بالدولار - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
توقعات المعادن الثمينة: صعود قوي للذهب والفضة مع تفاقم أزمة الثقة بالدولار - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 01:43 مساءً

دانييلا هاثورن*

تعكس أسعار المعادن الثمينة تحوّلًا أعمق في مزاج المستثمرين وثقتهم في النظام النقدي العالمي. فقد واصلت هذه المعادن مكاسبها مع بداية الأسبوع الجديد، في إشارة إضافية إلى تصاعد أزمة الثقة في الدولار الأميركي، وفي النظام المالي بشكل أوسع. وتجاوز الذهب مستوى الـ 5,000 دولارات للأونصة، وهو حاجز نفسيّ مهم، بينما قفزت الفضة فوق الـ 100 دولار، متفوقة بوضوح على الذهب. 

هذا الأداء يعكس تغيرًا في سلوك المستثمرين، إذ لم تعد المعادن الثمينة تُستخدم فقط كأدوات تحوّط موقتة، بل باتت تُعامل بشكل متزايد كملاذات لحفظ القيمة في عالم يتسم بالانقسام السياسي، والضغوط المالية المتزايدة، والضبابية في السياسات النقدية.

ارتفاع الذهب تقوده عوامل معروفة، لكنها باتت أشدّ حدّة. فالتوترات الجيوسياسية المستمرة، والمخاوف المتزايدة بشأن استدامة المالية العامة في الولايات المتحدة، وتكرار التشكيك في صدقية البنوك المركزية، كلها عوامل أبقت الطلب على الأصول الصلبة مرتفعًا. 

 

الأداء اليومي لمؤشر الذهب. (ترايدينغ فيو)

الأداء اليومي لمؤشر الذهب. (ترايدينغ فيو)

 

في الوقت نفسه، عجزت العوائد الحقيقية عن الارتفاع بشكل ملحوظ، رغم فترات من تحسن شهية المخاطرة، ما حدّ من الضغوط التقليدية على الذهب. والنتيجة كانت طلبًا قويًا ومستمرًا على المعدن الأصفر، يبدو أقل ارتباطًا بالبيانات الاقتصادية القصيرة الأجل وأكثر ارتباطًا بحالة انعدام الثقة الهيكلية في العملات الورقية.

أما الفضة، فتجاوز أداؤها ذلك ليحمل دلالات أعمق. فإلى جانب دورها التاريخي كأصل نقدي، تعزّزت مكاسبها أخيرًا بفعل عوامل صناعية واضطرابات في جانب العرض. تراجع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن تصعيد الرسوم الجمركية خفف موقتًا مخاوف تفاقم النزاعات التجارية، ما عزّز الإقبال على المخاطرة ودعم المعادن الصناعية عمومًا، إلا أن الفضة استحوذت على نصيب أكبر من هذا الصعود. 

كذلك، ساهمت تقارير عن نقص فعليّ في المعروض داخل الصين في تشديد أوضاع السوق، ما عزز القناعة بأن سوق الفضة أكثر حساسية لاختلالات العرض والطلب مقارنة بالذهب، خاصة في ظل تنامي الطلب الصناعي.

الطلب الصناعي على الفضة لا يُعدّ دوريًا بالمعنى التقليدي. فالتوجّه العالمي نحو استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتحول نحو الكهربة، والتصنيع المتقدم، رفع من الأهمية الهيكلية للفضة.

وعلى عكس دورات التكنولوجيا السابقة، تتسم موجة الاستثمار الحالية بكثافة رأس المال، وارتفاع استهلاك الطاقة، وطول أمد المشاريع، ما يعني استهلاك كميات كبيرة من الموادّ الخام. هذا الواقع طمس الحدود بين دور الفضة كملاذ دفاعيّ ودورها كسلعة مرتبطة بالنمو، وجعلها أكثر حساسية لكل من عدم اليقين الاقتصادي والتفاؤل الاستثماري.

 

الأداء اليومي لمؤشر الفضة. (ترايدينغ فيو)

الأداء اليومي لمؤشر الفضة. (ترايدينغ فيو)

 

وتتداخل مع هذه العوامل سياسة اقتصادية يصفها البعض بسياسة "تشغيل الاقتصاد عند أعلى حرارة". فالحكومات، خصوصًا في الولايات المتحدة، باتت أكثر تسامحًا مع معدّلات تضخم أعلى، وعجوزات أكبر، وانضباط مالي أضعف، في سبيل دعم النمو والسياسات الصناعية وتحقيق التفوق الاستراتيجي. 

هذا التوجه تعززه ضغوط سياسية متزايدة على البنوك المركزية، وفي مقدّمها الاحتياطي الفيديرالي، حيث باتت استقلاليته موضع تساؤل متكرّر. وبالنسبة إلى المستثمرين، يثير ذلك مخاوف بشأن القوة الشرائية طويلة الأجل للعملات ومصداقية أهداف مكافحة التضخم، وهي ظروف تاريخيًا تصبّ في مصلحة المعادن الثمينة.

إعادة التسلح العالمية أضافت بدورها عامل دعم جديداً للأسعار. فارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتزايد الانقسام الجيوسياسي، وعودة توطين سلاسل الإمداد، كلّها مؤشرات على اقتصاد عالمي أكثر تضخمًا، وأعلى استهلاكًا للموارد. وعلى عكس قوى خفض التضخم التي سادت العقود الثلاثة الماضية، يفضل هذا الواقع الأصول الملموسة على الأدوات المالية المجردة. يستفيد الذهب هنا كأصل احتياطي محايد في نظام عالمي منقسم، بينما تستفيد الفضة من دورها المزدوج في التقنيات الدفاعية والتطبيقات الصناعية المدنية.

الأهم أن الارتفاع الأخير في أسعار المعادن الثمينة لا يبدو مدفوعًا بالمضاربة وحدها. فالطلب الفعلي، وعمليات الشراء من قبل البنوك المركزية، وتغيرات التخصيص الاستثماري طويلة الأجل، كلّها ساهمت في هذا الصعود. ولا تزال البنوك المركزية، خاصة خارج الكتلة الغربية، تعمل على تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، ما يوفر دعمًا هيكليًا لأسعار الذهب. في الوقت ذاته، تشير تدفقات المستثمرين إلى أن المعادن الثمينة لم تعد تُستخدم فقط كتأمين للمحافظ، بل كأصول أساسية للتحوط من المخاطر النظامية.

الدلالة الأوسع لذلك أن الذهب والفضة يعبّران عن أكثر من مجرد توتر موقت في الأسواق. إنهما يعكسان إعادة تسعير للثقة: الثقة في العملات، وفي المؤسسات، وفي استقرار النظام الاقتصادي العالمي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. ورغم أن تصحيحات حادة قد تحدث بعد هذا الصعود القوي، فإن العوامل الأساسية تشير إلى اتجاه طويل الأمد، وليس مجرد طفرة عابرة.

في هذا السياق، يبدو اقتراب الذهب من مستويات قياسية جديدة واختراق الفضة القوي للأسعار خطوة منطقية وليست استثناءً. إنها أعراض لنظام عالمي يواجه ضغوطًا متزايدة، حيث يبحث رأس المال عن ملاذات خارج نطاق القرارات السياسية. وطالما استمرت الهيمنة المالية، والانقسام الجيوسياسي، والتشكيك في مصداقية البنوك المركزية، فمن المرجّح أن تبقى المعادن الثمينة في قلب هذه العاصفة، ليس فقط كأدوات تحوط، بل كبدائل حقيقية لحفظ القيمة.
*كبيرة محللي الأسواق في Capital.com

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق