دمج "قسد" نهاية لمشاريع تقسيم سوريا؟ - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دمج "قسد" نهاية لمشاريع تقسيم سوريا؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 05:13 صباحاً

تنظر مراجع دولية وإقليمية عديدة إلى تجربة "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) مع الولايات المتحدة على أنها آخر مثال لخذلان "حليف كردي" قاتل معها ضد تنظيم إرهابي وفقد الكثير من أبنائه. ولأن هذا الخذلان لن يكون الأخير من نوعه، فإن استخلاص عدم الوثوق بالسياسات الأميركية بات حُكماً صحيحاً عموماً، بناءً على تجارب وحالات عدة حول العالم. وهكذا، فلا ثقة بأميركا ولا بدّ منها. كان تنظيم "داعش" قد بادر إلى استهداف الكرد في عين العرب/كوباني فاحتاجوا إلى الدعم الأميركي لصدّه، ثم اندفعوا إلى الترشّح لمحاربته، وبدأوا يبنون حلم "دولتهم" أو "إقليم حكم ذاتي" خاص بهم. 

لكن، بعيداً عن الدفاع عن أميركا وأهدافها، يجدر التذكير بأن أي مسؤول أميركي لم يتعهد علناً أو سراً بدعم مشروع "روج آفا"، والمعروف عموماً أن الأميركيين شجعوا قادة "قسد" على "الحوار" مع النظام السوري السابق على إقامة حكمهم الذاتي، وحصلت مفاوضات طويلة لم تتوصّل إلى "تفاهم". يمكن التذكير أيضاً بأن واشنطن التي دعمت وتدعم بقوة "استقلالية" إقليم كردستان العراق، لم تتردد في خذله عندما أجرى استفتاءً عام 2017 للانفصال عن العراق. وقبل التطورات الأخيرة في شمال شرقي سوريا دُعي زعيم "قسد" إلى اجتماع في أربيل بحضور الزعيم الكردي مسعود بارزاني والمبعوث الأميركي توم برّاك الذي أبلغ مظلوم عبدي، كما أبلغ الإسرائيليين في باريس، أن الولايات المتحدة تجد مصلحة في دعم نظام أحمد الشرع ووحدة الأراضي السورية. ربما تخذله لاحقاً، لكن هذه مسألة أخرى.

إزاء تسارع الأحداث أخيراً صعُب على الجانب الكردي السوري استيعاب انهيار مشروعه، أو رؤية أن مصلحته تكمن في الاتفاق مع الدولة السورية والمساهمة في استكمال بنائها، مع أنه أدرك منذ اتفاق 10 آذار/مارس الماضي، الذي أبرم بضغط أميركي وتركي، أن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية هو الهدف. لكنه حاول التمرد على هذا المسار وتغييره، بالمماطلة ومحاولة تركيب "تحالف أقليات" مع الدروز والعلويين، أو استدراج تدخلات إقليمية من إسرائيل خصوصاً أو ربما من إيران. وعندما ارتسمت الإرادة الأميركية بوضوح لم يعد لديه أي هامش للمناورة، بل بقي أمامه التنسيق والتعاون الجادّان مع دمشق لدمج المؤسسات بسلاسة والحفاظ على أسس التعايش. أما امتناعه عن سلوك هذا المسار فلم يجلب له سوى الخسائر والمآسي. ما يتردد الآن هو أن الجناح المتطرف في "قسد"، أي "حزب العمال الكردستاني"، كان وراء التصلّب بدءاً من حلب وصولاً إلى الحسكة، وبخاصة إلى إفلات سجون "داعش" الذي أساء إلى "قسد" وأظهرها كمجرد ميليشيا بعيدة جداً عن أن تكون دولة.

من الطبيعي أن ينظر الكرد السوريون إلى فشل مشروع "قسد" من زاوية "الظلم التاريخي" الذي وقع على عموم الكرد، منذ "سايكس-بيكو" قبل أكثر من مئة عام وما تلاه (معاهدتا "سيفر" ثم "لوزان") وتشظي "دولتهم التاريخية" المفترضة بين تركيا وإيران والعراق، وسوريا بدرجة أقلّ. لكن هذه الدول الأربع تتخوّف على الدوام من الكرد كمصدر تهديد لـ"وحدة الدولة" وعنصر تقسيمي بأهداف معلنة، خصوصاً أن هناك تواصلاً جغرافياً بين المناطق الكردية فيها. وقد وجدت الدول الكبرى (تحديداً روسيا والولايات المتحدة، مع أدوار ثانوية لفرنسا وبريطانيا) في قضية الكرد أداة للضغوط الجيوسياسية، لكن العبث بأمن الدول الأربع واستقرارها لم يذهب إلى حدّ تغيير الخرائط والتبني الرسمي لإعادة توحيد أجزاء "الدولة الكردية". 

وفيما تكفّل عنف الدولة في تركيا وإيران باستبعاد أي مشروع تقسيمي، حتى الآن، فإن الخطر ظلّ ماثلاً في العراق إلى أن قرر نظام صدام حسين إنهاء الحروب مع الكرد باتفاق نصّ على منح كردستان العراق حكماً ذاتياً بدءاً من 1970. أتاحت هذه الصيغة للإقليم أن يبني نواة دولة، وما لبث دستور 2005 (بعد الغزو الأميركي) أن أقرّ صيغة فيدرالية حفّزت الإقليم على تطوير الوضع الخاص الذي يتمتع به في إطار الدولة العراقية. لكن سعيه إلى الاستحواذ على الموارد المتوافرة في مناطقه، وإعلان الاستقلال/الانفصال، واجه معارضة واسعة داخل العراق وخارجه وقاد إلى تداعيات اقتصادية ومالية وسياسية لما تنتهِ حتى الآن. قام الإقليم العراقي بهذه المحاولة متجاهلاً أنها خطوة أولى نحو تقسيم العراق، ومعتقداً أنها ستلقى دعماً من حلفاء وأصدقاء دوليين، لكنه صُدم بمعارضتهم. 

 


في الوقت نفسه كانت الأزمة السورية دفعت بالكرد إلى دور مميّز برعاية التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وبات يُنظر إلى تنظيمهم، "قسد"، باعتباره قاطرة التقسيم المستقبلي لسوريا، لكن الدول المتدخّلة (روسيا وأميركا وتركيا وإيران وإسرائيل) لم تتوافق على اعتماد تصوّرٍ كهذا، حتى لو كانت ممارسات النظام السوري السابق تدفع في اتجاهه. فهل انهيار "قسد" والبدء بدمجها يقنع دروز حكمت الهجري وفلول العلويين والدول التي تدعمهم بعدم جدوى مشاريع التقسيم؟ الجواب يتطلّب أيضاً من "نظام الشرع" قبولاً أكبر للتعددية والمشاركة. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق