نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين التعافي والانهيار: الأبعاد الاقتصادية لعودة اللاجئين السوريين - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 06:33 صباحاً
أنطوني نعيم
تُعدّ عودة اللاجئين السوريين من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة، ولا تقتصر تداعياتها على الجوانب الاجتماعية والأمنية، بل يمتد أثرها ليشمل البُعد الاقتصادي بوصفه عاملاً محورياً في تقييم هذه العودة. فسنوات اللجوء القسري أسفرت عن نزوح أعداد كبيرة من الكفاءات ورؤوس الأموال، الأمر الذي يطرح اليوم تساؤلات أساسية بشأن الانعكاسات الاقتصادية المحتملة لعودة اللاجئين إلى وطنهم.
إن عملية الإياب لا تُمثّل مجرد تحويل ديموغرافي، بل هي بمثابة زلزال اقتصادي محتمل يُمكن أن يعيد تشكيل خريطة سوق العمل والبنية التحتية والطلب الاستهلاكي داخل سوريا، فهذه العودة تُعد دفعة قوية نحو إعادة الإعمار والنمو، عبر ضخ الخبرات والأموال المكتسبة في الخارج. ولتحليل أدق للجوانب الاقتصادية لهذه العودة، لا بد من دراسة الطاقات البشرية التي تتضمن المهارات القادمة من دول اللجوء، إلى جانب التركيز على الإمكانات المادية حيث يجلب العائدون معهم مدّخرات واستثمارات متوسطة تساهم في زيادة السيولة ودعم الاقتصاد المحلي.
إذاً، ممكن أن تشهد سوريا تقدماً جرّاء عودة اللاجئين عبر تحفيز قطاع البناء والطلب على الإسكان، كما ستنشط السياحة الداخلية والقطاعات التجارية والصناعية ومن أهمها المنتجات الدوائية. في المقابل، تنطوي عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم على مخاطر جسيمة من الناحية الإنسانية والاقتصادية؛ فالعائدون يواجهون واقعاً صعباً يتمثل في دمار البنية التحتية كالمنازل والمدارس والمستشفيات، ونقصاً حاداً في الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء، فضلاً عن المخاطر الأمنية المتمثلة في انتشار الألغام والمخلفات المتفجرة، وتحديات قانونية تتعلق باستعادة الممتلكات وفقدان الوثائق، ما يعيق عملية إعادة الاندماج الآمن والكريم.
أما اقتصادياً، فإن تدفق أعداد كبيرة من العائدين يضع ضغطاً هائلاً على اقتصاد البلاد المنهك، ويزيد من حدة البطالة، ويضاعف التنافس على الموارد الزهيدة، في ظل غياب التمويل اللازم لمشاريع إعادة الإعمار والتأهيل، ما يهدد بتحويل العودة إلى دورة جديدة من المعاناة وعدم الاستقرار. وبالأرقام لا بد من الإضاءة على الواقع الإنساني الذي سيواجه العائدين، فأكثر من 90% من السورييين يعيشون تحت خط الفقر، و17 مليون شخص داخل الدولة يحتاجون إلى مساعدات إنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. مع الإشارة إلى أن 14 مليون مواطن بحاجة إلى مساعدات غذائية، ما يجعل من إحياء القطاع الزراعي والأمن الغذائي أولوية.
تؤكد التقارير أن الطريق لعودة آمنة ومستدامة للاجئين إلى سوريا بعد سقوط النظام لا يزال مليئاً بالعقبات، ويتطلب من الحكومة السورية الجديدة خطة متكاملة مدعومة بتمويل دولي قوي ورقابة فعالة وإسناد سياسي واسع . وبرغم تخصيص مساعدات كبيرة من دول كالخليج والاتحاد الأوروبي، يُلاحظ أن حجم التمويل الحالي لا يزال دون المستوى المطلوب. كما يُعَد ضمان حقوق الملكية تحدياً بارزاً، حيث لا تزال قوانين النظام السابق تسمح بمصادرة أملاك المهجّرين؛ ولحل هذه الأزمة يُقترح إنشاء لجنة دولية مستقلة لنزاعات الملكية على غرار تجربة البوسنة والهرسك. ومن الواضح أن سوريا لن تكون مستعدة لإعادة أبنائها إلا بتحقيق أربعة أعمدة أساسية: الأمن وحماية الأقليات، ضمان حقوق الملكية، إعادة بناء مرافق الصحة والخدمات، ومعالجة أزمة الألغام.
ختاماً، يتضح أن عودة اللاجئين السوريين تمثل سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة تعد حدثاً اقتصادياً محتملاً، قادراً على ضخ الخبرات والكفاءات ورؤوس الأموال المكتسبة في الخارج لإنعاش قطاعات حيوية كالبناء والإسكان والصناعة، ما يجعل اللاجئ شريكاً أساسياً في عملية التعافي وليس مجرد مستفيد منها. لكن من جهة أخرى، يظل هذا الرهان الاقتصادي معلقاً على حائط التحديات الإنسانية والأمنية الهائلة. ففي ظل دمار البنية التحتية، ونقص الخدمات الحاد وتفشي الفقر، قد تتحول العودة إلى ضغط كارثي يزيد من حدة البطالة والتنافس على الموارد الشحيحة.







0 تعليق