خطاب دافوس ومجلس السلام: كيف قرأت أوروبا رؤية ترامب للنظام الدولي - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خطاب دافوس ومجلس السلام: كيف قرأت أوروبا رؤية ترامب للنظام الدولي - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 06:23 مساءً

لم يكن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى دافوس، وما اقترنه من طرح لمبادرة «مجلس السلام»، حدثًا عابرًا في سياق النقاشات الدولية المعتادة، بل شكّل لحظة كاشفة عن اتجاه سياسي متكامل يسعى إلى إعادة هندسة النظام الدولي خارج الأطر التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، فبالنسبة إلى عدد متزايد من العواصم الأوروبية، بدا الخطاب أقل انشغالًا بإدارة الأزمات الراهنه بقدر ما كان تعبيرًا صريحًا عن رؤية أمريكية ترى في التعددية عبئًا، وفي المؤسسات الدولية عائقًا، وفي القانون الدولي قيدًا ينبغي الالتفاف عليه لا تطويره وهو ما يفسر عزوف الدول الأوروبية الكبري عن التوقيع رسميًا علي الانضمام إلى مجلس السلام

صحيح أن أوروبا لا ترفض من حيث المبدأ أي جهد يهدف إلى وقف النزاعات المسلحة أو تخفيف الكلفة الإنسانية للحروب، إلا أن الإشكالية الجوهرية التي أثارها مقترح «مجلس السلام» لا تتعلق بالغاية المعلنة، بل بالمنطق السياسي الذي يقف خلفها، فالمبادرة، كما قُدّمت في دافوس، لا تنطلق من محاولة إصلاح النظام الدولي أو معالجة أوجه القصور القائمة ، بل من افتراض ضمني بأن هذا النظام بات غير ذي جدوى، وأن تجاوزه عبر أطر انتقائية تقودها قوة واحدة هو الخيار الأكثر فاعلية. هذا الافتراض، في حد ذاته، مثّل مصدر القلق الأوروبي الأساسي.

وقد أدركت العواصم الأوروبية أن «مجلس السلام» لا يُقترح كآلية مؤقتة، بل كإطار سياسي بديل يمنح الولايات المتحدة موقع القيادة الحصرية في إدارة النزاعات، مع تقليص دور المؤسسات الجماعية إلى الحد الأدنى. ومن هذا المنظور، فإن المبادرة لا تهدد فقط مكانة الأمم المتحدة، بل تمس جوهر فكرة الشرعية الدولية، عبر استبدالها بشرعية مستمدة من موازين القوة والقدرة على الفرض، لا من التوافق الدولي أو القواعد القانونية.

هذا الإدراك كان حاضرًا بقوة في مواقف ألمانيا وفرنسا، اللتين وإن التزمتا بلغة دبلوماسية محسوبة، إلا أن تحفظاتهما عكست رفضًا ضمنيًا لمنطق إعادة تركيز القرار الدولي في يد واشنطن، ففي برلين وباريس، لم يُنظر إلى خطاب ترامب بوصفه محاولة قيادية مسؤولة، بل كخطوة إضافية في مسار طويل من تآكل الالتزام الأمريكي بالتعددية، ومسعى لإعادة صياغة النظام الدولي وفق اعتبارات نفعية قصيرة المدى، تتجاهل تعقيدات التوازنات الدولية ومخاطر تفكيك البنية المؤسسية القائمة.

أما بريطانيا، فقد كشفت ردود فعلها عن مأزق سياسي ودبلوماسي حقيقي، فمن جهة، لا تزال لندن حريصة على الحفاظ على ما تبقى من «العلاقة الخاصة» مع واشنطن، ومن جهة أخرى تدرك أن الانخراط الصريح في مبادرة مثل «مجلس السلام» سيضعها في مواجهة مباشرة مع الإطار الدولي الذي تستمد منه جزءًا كبيرًا من شرعيتها ودورها العالمي. لذلك، لجأت الحكومة البريطانية إلى خطاب مزدوج يرحب بالسلام من حيث المبدأ، لكنه يتجنب منح المبادرة أي غطاء سياسي واضح، في محاولة لإدارة التناقض بدل حسمه. غير أن هذا التردد البريطاني، وإن بدا براجماتياً ، عكس غياب رؤية متماسكة لدور لندن في نظام دولي آخذ في التفكك.

وجاء الموقف الإيطالي الأكثر صراحة ليكشف حدود القبول الأوروبي بالمبادرة الأمريكية. فرفض روما المشاركة في «مجلس السلام» لم يكن مجرد قرار سيادي معزول، بل إشارة إلى إدراك متزايد داخل أوروبا بأن الانخراط في أطر دولية تُصاغ خارج التوافق الجماعي قد يفتح الباب أمام سوابق خطيرة، تُضعف ليس فقط وحدة الموقف الأوروبي، بل مكانة الدول المتوسطة داخل النظام الدولي ككل.

وزاد من حدة هذا القلق أن خطاب ترامب لم يقتصر على «مجلس السلام»، بل تضمن رسائل مقلقة تتعلق بإعادة تعريف الالتزامات الأمنية الأمريكية، واستخدام الأدوات الاقتصادية، ولا سيما الرسوم الجمركية، كوسيلة ضغط سياسية. هذه المقاربة أعادت إلى الأذهان أسوأ مخاوف الأوروبيين من عالم تحكمه الصفقات العابرة، لا القواعد المستقرة، ومن شراكة عبر أطلسية تقوم على الابتزاز المتبادل بدل الالتزام المتبادل.

في هذا السياق، بات واضحًا لكثير من صانعي القرار في أوروبا أن مقترح «مجلس السلام» لا يمكن فصله عن توجه أوسع يسعى إلى تطبيع فكرة تجاوز المؤسسات الدولية كلما تعارضت مع أولويات القوة المهيمنة ، ومن هنا، فإن التحفظ الأوروبي لم يعد مجرد تحفظ تقني أو إجرائي، بل تحول إلى موقف سياسي يعكس خشية حقيقية من أن يشكل هذا المسار بداية تفكك تدريجي للنظام الدولي القائم على القواعد، واستبداله بنظام أكثر فوضوية وأقل قابلية للضبط

وعليه، فإن التحفظ الأوروبي على «مجلس السلام» لا يعكس ترددًا دبلوماسيًا بقدر ما يجسّد رفضًا واعيًا لمنطق إدارة العالم خارج إطار الشرعية الدولية. فالسلام الذي يُصاغ بإرادة قوة واحدة، ويتجاوز المؤسسات القائمة، قد يفرض وقائع سريعة لكنه يزرع عدم استقرار طويل الأمد. ومن هنا، تبدو الرسالة الأوروبية حاسمة: تجاوز النظام الدولي لن يُنتج نظامًا بديلًا أكثر فاعلية، بل فراغًا سياسيًا أخطر. وإذا كانت واشنطن تمضي في هذا المسار، فإن على أوروبا الدفاع عن التعددية لا بوصفها مبدأً أخلاقيًا، بل كخيار استراتيجي لا غنى عنه في عالم يتآكل فيه التوازن وتتصاعد فيه مخاطر الفوضى.

 

السفير عمرو حلمي 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق