نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العقل السوداني بين الألم النفسي وذاكرة القلب الحزين - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 08:03 مساءً
في الحروب، لا يأتي الخطر دائمًا من قصف أعمى متكرر، أو طلقات رصاص لا تُفرّق بين طفل رضيع وكهل قعيد، أحيانًا يتخفّى الخطر في الصمت الذي يعقب الانفجار، وفي الهدوء الذي يخيّم بعد الفوضى، وفي ذلك الفراغ الذي يستقر داخل الإنسان عندما ينجو جسده بينما تبقى نفسه ملتصقة بآلام القهر. عندما تختلط الحرب بالحياة اليومية حتى يفقد الإنسان القدرة على الفصل بينهما، لا تتوقف المعاناة عند القتل والدمار والنزوح، هناك مواجهة أخرى، أعمق وأطول أمدًا، تدور داخل العقول، في الذاكرة، وفي الجسد الذي يواصل التصرّف وكأن التهديد لم ولن يغادر المكان.
عند الحديث عن الخسائر النفسية التي خلّفتها الحرب في السودان، يبدو الوصف في كثير من الأحيان أقل من الواقع، فالمسألة لا تقف عند أرق عابر أو حزن يمكن فهمه في سياقه الطبيعي، ولكن تمتد إلى تحوّل جذري في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم المحيط به. الطفل الذي شاهد أسرته تُقتل أمام ناظريه بلا سبب، لن يخرج من التجربة محمّلًا بالكوابيس وحدها، كثيرًا ما يفقد إحساسه بأن العالم تحكمه قواعد ثابتة يمكن الاتكاء عليها. تتداعى فكرة الحماية، ويتلاشى الحد الفاصل بين الأمان والخطر، ويترسّخ داخله شعور مبكر بأن الحياة مساحة غير مستقرة بطبيعتها.
بمرور الوقت، يدخل بعض هؤلاء الأطفال في صمت طويل، لا بكاء، ولا صراخ، ولا أسئلة. يتحوّل الخدر العاطفي إلى وسيلة للبقاء. في علم النفس، تُوصَف هذه الحالة بالتفكك النفسي المبكر، حيث يعمد العقل إلى فصل نفسه عن المشاعر درءًا للانهيار. غير أن هذا الانفصال يترك أثرًا بالغ العمق في طفل ينمو وهو عاجز عن بناء روابط آمنة، متردد في الثقة بالراشدين، ومفتقر إلى الإيمان بإمكانية الاستقرار، هو لا يحمل جرحًا واحدًا، وإنما يعاني من تصور كامل مشوّه عن العالم، سينعكس لاحقًا في علاقاته وسلوكه وقدرته على التعايش مع الآخرين.
لا تبدو الحرب حدثًا مضى وانتهى، حضورها مستمر في تفاصيل صغيرة: في صوت باب يُغلق بعنف، رائحة دخان تستدعي الذاكرة، حركة مفاجئة في شارع مزدحم. الأم التي رأت ابنها يُقتل أمامها لا تسترجع المشهد كذكرى بعيدة، ولكن تعيش تفاصيله من جديد في لحظات غير متوقعة. اضطراب ما بعد الصدمة يتحوّل إلى حالة يومية مفروضة، يبقى فيها الجسد في وضع التأهّب، وكأن الخطر قابل للتكرار في أي لحظة، النوم يصبح متقطعًا، الأعصاب مشدودة، وأي شعور بالطمأنينة يبدو هشًا وسريع الزوال.
هذا الاضطراب يمتد أثرها إلى المحيط الأسري ولا يقتصر على الفرد وحده، العلاقات تفقد توازنها، الانفعال يسبق الحوار، والقدرة على التواصل العاطفي تتآكل ببطء. وفي سياق الحرب، يُحرم كثيرون من لحظات الوداع والحداد، هناك من لا يعرف أين دُفن أحباؤه، أو إن كانوا قد دُفنوا أصلًا. الأب الذي فقد ابنه الذي كان يتوكأ عليه، وأعياه السؤال عن مصيره، يبقى عالقًا بين الانتظار والفقد، غير قادر على إغلاق دائرة الحزن. هذه الحالة تُعرف بالحزن المعقّد، وهو حزن يظل مفتوحًا، لا يتحرّك ولا يجد نهاية.

ومع مرور الزمن، يتسلل شعور دائم بالذنب لأن الحياة استمرت، لأن لحظة ضحك عابرة حدثت، لأن الجسد واصل أداء وظائفه. هذا الألم لا يعلن عن نفسه بصوت مرتفع، لكنه يُنهك صاحبه بصمت، ويتركه معلّقًا بين الأمل والخسارة. أما الاكتئاب المرتبط بالحرب، فيظهر غالبًا في صورة غياب الرغبة، تختفي الخطط، ويتلاشى التطلع إلى المستقبل، وتفقد الأيام معناها. يعيش الإنسان بدافع البقاء فقط، لا بدافع الحياة.
في السودان، حيث تراكمت الصدمات وتوالت الخسائر، يبرز ما يمكن وصفه بالاكتئاب الوجودي، وهو شعور واسع بأن الحياة فقدت معناها، وأن المستقبل فكرة بعيدة يصعب الإمساك بها. خطورة هذا النوع من الاكتئاب تكمن في صمته، وفي كونه لا يدفع صاحبه إلى طلب المساعدة، بينما يسحبه تدريجيًا نحو العزلة والانكفاء.
بعض الناجين يظهرون غاضبين قبل أن يكونوا منهكين، هذا الغضب العارض لا يُعبّر عن موقف أخلاقي بقدر ما يعكس صدمة لم تجد طريقها إلى الفهم أو العلاج، يتجلى في انفعال مكتوم، وفي قسوة مؤقتة غير مبررة. وفي حالات أخرى، يظهر التفكك النفسي في صورة شعور بالانفصال عن الذات، حيث يراقب الإنسان حياته من مسافة، كأنها لا تخصّه. هذه الحالة شائعة بين من شهدوا عنفًا مباشرًا، وتمس الإحساس بالهوية في جوهره.
أعراض نفسية حادة تحاصر الكثيرين، من بينها اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب. والأرقام التي أعلنت عن الآثار النفسية لما أصاب السودان لا تنقل التجربة كاملة، ما لا يظهر في الإحصاءات هو الطفل الذي كبر قبل أوانه، والأب الذي فقد ربيع الحياة، والأم الغارقة في أحزان لا تفارقها، والمجتمع الذي تعلّم التعايش مع الألم وكأنه حالة طبيعية.
إعادة إعمار المدن قد تكون ممكنة، لكن إعادة بناء الإنسان تظل التحدي الأصعب. أي حديث عن مستقبل السودان قبل الاعتراف بالخسائر النفسية يبقى حديثًا منقوصًا، فالصحة النفسية شرط أساسي لأي تعافٍ حقيقي وليست مسألة هامشية، وتجاهلها يعني ترك الجرح مفتوحًا، وقابلًا لإعادة إنتاج العنف بأشكال مختلفة. فالحرب لا تنتهي عند صمت المدافع، ولكن عند استعادة الإنسان قدرته على الشعور، وعلى الثقة، وعلى تخيّل حياة لا تحكمها ذاكرة مثقلة بالألم.
بين الأطلال كثير من الضحايا هم في الحقيقة من الناجين، لم يُقتلوا ولم يصابوا إصابات ظاهرة، لكنهم تغيّروا إلى الأبد.هذه هي الخسارة التي لا تراها العين، ولا تُحصى بين أرقام القتلى والمصابين، ولا تتصاغر آلامها بالتقادم. ويبقى الحديث عن الحرب ناقصًا ما لم يرصد ما فعلته بالإنسان من الداخل، لأن الأوطان لا تُبنى فوق عقول منهكة وقلوب مكسورة، ولأن الاعتراف بالألم، بكل أشكاله، يظل الخطوة الأولى نحو سلام حقيقي.
















0 تعليق