دافوس.. قراءة هادئة لعالم يتخلى عن أوهامه - جريدة هرم مصر

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دافوس.. قراءة هادئة لعالم يتخلى عن أوهامه - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 05:17 مساءً

ليس دقيقا القول أن العالم يفقد قواعده، الأقرب إلى الحقيقة أن العالم يكتشف أن تلك القواعد لم تكن يوما محايدة كما روجت لها النخب الدولية.

 

في دافوس، حيث اعتادت العواصم الكبرى تبادل خطابات مطمئنة عن الاستقرار والنظام، بدت اللغة هذا العام أكثر جفافا، وأقرب إلى الواقع، كأن الجميع قرر فجأة التوقف عن التمثيل. التحذيرات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن تآكل القانون الدولي لم تكن بلا أساس، لكنها جاءت محملة بتناقض قديم.

 

هذا القانون لم يتعرض للانتهاك فجأة، بل جرى الالتفاف عليه مرارا من القوى ذاتها التي تتحدث اليوم عن حمايته. الجديد ليس الخرق، بل الجرأة على الاعتراف بأن المصالح، لا المبادئ، هي التي تدير المشهد.

 

في المقابل، لم يقدم دونالد ترمب خطابا ثوريا بقدر ما قدم توصيفا مباشرا لعالم اعتاد إخفاء منطقه الحقيقي. حديثه عن التعريفات الجمركية، وعن جدوى التحالفات، وعن الاقتصاد بوصفه أداة ضغط سياسي، لا يمثل قطيعة مع النظام الدولي، بل كشفا لطريقته الفعلية في العمل، بعيدا عن اللغة الدبلوماسية المصقولة.

 

هذا التحول في اللغة، لا يعني بالضرورة انهيار النظام الدولي، بل سقوط ادعائه الأخلاقي. فالقواعد التي لا تُطبق إلا انتقائيا، تتحول من مرجعية إلى أداة، ومن قيمة إلى ورقة تفاوض. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، لا في غياب القانون، بل في ازدواجية استخدامه. أوروبا، التي بدت في دافوس قلقة ومترددة، ليست ضحية هذا الواقع بالكامل. لسنوات طويلة، راهنت على أن المظلة الأميركية كافية، وأن القوة يمكن تعويضها بالخطاب والقيم. وحين بدأت واشنطن تعيد تعريف التزاماتها وفقا لحسابات داخلية أكثر صراحة، وجدت أوروبا نفسها أمام فراغ استراتيجي لم تستعد له.

 

في هذا السياق، تبرز أهمية اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترمب، على هامش التحركات السياسية الأخيرة. اللقاء، في جوهره، لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل تأكيدا على منهج مصري ثابت في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، يقوم على وضوح المصالح، واحترام متبادل، ورفض الانخراط في أوهام الصدام أو التبعية.

 

مصر تدرك ثقل واشنطن، لكنها تدرك أيضا حدود الرهان الأحادي، وتتحرك وفق معادلة توازن لا تخضع للتقلبات الخطابية. السياسة المصرية، في هذا الإطار، لا تنطلق من تصور مثالي عن النظام الدولي، ولا من اندفاع صدامي مع القوى الكبرى، بل من قراءة واقعية ترى أن الاستقرار الإقليمي، وتأمين المصالح الوطنية، يمران عبر شبكة علاقات متوازنة، لا عبر شعارات عابرة أو مواقف انفعالية.

 

دافوس هذا العام لم يكشف عن عالم أكثر قسوة، بقدر ما كشف عن عالم أقل تصنعا. عالم باتت فيه اللغة أقرب إلى الحقيقة، حتى وإن كانت الحقيقة غير مريحة.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت القواعد ستنهار، بل من سيملك القدرة على إعادة تعريفها، ومن سيظل أسير خطاب لم يعد يقنع أحدا. ربما لا نعيش نهاية النظام الدولي، بل نهاية مرحلة كانت الأخلاق فيها تُستخدم لتجميل توازنات القوة، لا لضبطها. وفي عالم كهذا، تصبح الواقعية الهادئة، لا الصخب الأخلاقي، هي الخيار الأذكى للدول التي تعرف وزنها وحدودها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق