نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
انسحاب أميركي من ألمانيا، شرخ جديد في العلاقة عبر الأطلسي - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 7 مايو 2026 05:23 صباحاً
أثار قرار الولايات المتحدة مطلع أيار/ مايو الجاري سحب نحو 5000 جندي من ألمانيا موجةً من التساؤلات داخل أوروبا، ليس حول أبعاده العسكرية وحسب، بل أيضاً بشأن دلالاته السياسية في مرحلةٍ تشهد توتراً متزايداً بين ضفتي الأطلسي. فالخطوة، التي جاءت بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بدت لكثيرين في القارة العجوز أقرب إلى رسالةٍ سياسية منها إلى مجرد إعادة تموضع عسكري.
وسارع حلف (الناتو) إلى طلب توضيحات من واشنطن، في مؤشر واضح على أن القرار لم يكن منسقاً بشكل كافٍ مع الحلفاء. هذا الغموض عزز الانطباع أن الولايات المتحدة باتت تتخذ قرارات استراتيجية كبرى بشكل أحادي، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى العواصم الأوروبية التي تعتمد منذ عقود على المظلة الأمنية الأميركية.
خطوة متوقعة
حاولت برلين التقليل من أهمية الخطوة، معتبرة أنها "متوقعة" في سياق التحولات الجارية في السياسة الأميركية. إلا أن هذا الموقف العلني يخفي قلقاً أعمق، خصوصاً أن ألمانيا تستضيف إحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، والتي تعتبر ركيزةً أساسية في منظومة الردع داخل القارة، خصوصاً في مواجهة روسيا.
القرار جاء أيضاً على خلفية خلافات سياسية بين واشنطن وبرلين، خصوصاً بشأن الحرب مع إيران وطبيعة التعامل معها. وقد أظهر التراشق الكلامي بين الرئيس الأميركي والمستشار الألماني حجم التباعد في الرؤى، ما يعكس تحولًا أوسع في طبيعة العلاقة بين الحليفين التقليديين.
أوروبياً، لم يقتصر القلق على ألمانيا وحدها، دول شرق أوروبا، مثل بولندا ودول البلطيق، تنظر بقلقٍ أكبر إلى أي تقليص للوجود العسكري الأميركي، باعتباره قد يضعف ميزان الردع في مواجهة موسكو. في المقابل، رأت دول أخرى في القرار فرصة لتجديد الدعوة إلى تعزيز "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي.
وبرزت دعوات متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي الى زيادة الإنفاق الدفاعي وبناء قدراتٍ عسكرية أكثر استقلالية. وقد اعتبر مسؤولون أوروبيون أن الخطوة الأميركية تشكل تذكيراً واضحاً بأن أمن القارة لا يمكن أن يبقى معتمداً بشكل كامل على واشنطن.
لم تعد في الصدارة
إلى جانب البعد العسكري، يثير القرار مخاوف اقتصادية أيضاً، خصوصاً مع تقارير عن تأجيل تسليم صفقات أسلحة إلى دول أوروبية لصالح تلبية احتياجات مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. هذا التحول في الأولويات الأميركية يعزز الشعور لدى الأوروبيين بأن مصالحهم لم تعد في صدارة الاهتمام الأميركي كما كانت سابقاً.
لم يمر القرار في الداخل الأميركي من دون انتقادات، إذ حذر عدد من أعضاء الكونغرس من أن تقليص القوات في أوروبا قد يبعث برسائل خاطئة إلى روسيا ويقوض جهود الردع. كما انتقدوا غياب التشاور مع الحلفاء، معتبرين أن مثل هذه القرارات يجب أن تتم ضمن إطار مؤسسي أوسع.
لا يمكن إطلاقاً النظر إلى سحب 5000 جندي من ألمانيا كخطوة تقنية فحسب، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في العلاقة عبر الأطلسي. وبينما تحاول أوروبا التكيف مع واقع جديد، يبقى السؤال الأهم: هل يشكل هذا القرار بداية مرحلة من "الاستقلال الدفاعي الأوروبي"؟
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية







0 تعليق