نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أن تمضي وحيداً كبطريق - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 03:43 مساءً
العالم مشغول بمشهد من وثائقي يُصوّر بطريقاً من فصيلة الأدِيلي يغادر مستعمرته على ساحل القارة القطبية الجنوبية، ويسير نحو الداخل، باتجاه الجبال، مبتعداً عن البحر، والغذاء، والبقية. صوت راوٍ يصف المسار بـ"مسيرةٍ نحو الموت". الطائر يمضي وحيداً، يدخل العمق القاسي للقارة، ويلفّه صقيع الأرض.
ليس القطيع شراً بحدّ ذاته؛ هو منطق البقاء والدفء والاستمرار. والخطر الحقيقي يبدأ حين يصبح البقاء بديلاً عن المعنى؛ حين تتحوّل الحياة إلى تكرار ذكي، منظم، بلا سؤال. عندها يُصبح الخروج، وإن إلى العدم، فعلاً وجودياً. إنها لحظة الإنهاك القصوى تلك التي لا تعود فيها الإجابات الجماعية مقنعة، ولا المسارات المعبّدة كافية. نمشي لأنّ الوقوف لم يعد ممكناً. نمشي لأنّ البقاء صار مواءَمةً، ولعبةً خاسرةً، وشكلاً من أشكال الموت. قل موتاً مؤجّلاً.
نتماهى مع البطريق لأننا نعرف المشهد جيداً. نعرف لحظة الرغبة في الانسحاب من الضجيج، من الإيقاع، من الحياة كما "يجب" أن تُعاش. يسمّيه الإنترنت "ميم"، وقد يطبع العام 2026 مع أنّه مجتزأ من فيلم للألماني فرنر هرتزوغ، ويرجع إلى العام 2007. لكن ما يربكنا هو الوضوح الفادح للصورة. أن تمشي وحيداً كبطريق يعني أن تقطع رقصة البقاء الجماعية؛ أن ترفض راحة الاتّجاه المشترك، حتى حين يعدك بالدفء والنجاة. البطريق لا يُضخّم لحظة خروجه ولا يلقي خطاباً. يُغادر فقط. وفي القرار الصامت قوّةٌ مقلقة.
تقول الفلسفة الوجودية بأنّ المعنى يبدأ حيث تنتهي اليقينيّات. صديقنا البطريق لا يرمز إلى اليأس بقدر ما يجسّد حريةً مجرّدة من الطمأنينة. يمشي بلا زادٍ ولا بوصلة، لأنّ البقاء لم يعد جواباً.
تعرّفنا إلى أنفسنا في هذا المشهد لأننا في حياتنا الحديثة بطاريق مع مستعمرة؛ صخبٌ واكتظاظ تُغذّيهما خوارزميات خفيّة. الابتعاد عنها مخاطرة بالإخفاق والاختفاء، ومع ذلك، يظلّ في داخلنا حنين إلى تلك اللحظة الفاصلة؛ شجاعة اختيار اللايقين على الانتماء المفروض.
أن تمضي وحيداً كبطريق، لا يعدك بالنجاة. إنه فقط اعتراف بأنك لم تعد تستطيع الكذب على نفسك. يمضي البطريق في طريقه وحيداً. لا بطلاً، ولا مأساة. يمضي حرّاً... ما دامت الحرية ممكنة.







0 تعليق