نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
واشنطن تُغيّر قواعد اللعب مع إيران - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 05:13 صباحاً
يمكن فهم تحولات التعامل بين الولايات المتحدة وإيران من خلال قراءة وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني لوزارة الحرب الأميركية، الصادرة في 23 كانون الثاني/يناير 2026، والتي تُنشر كل أربع سنوات، وتحدد خطة الجيش لتنفيذ استراتيجية الأمن القومي للرئيس. وتشير الوثيقة إلى هدفين مركزيين في سياق التطورات الراهنة. الهدف الأول هو ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، بما يضمن عدم قدرتها على الهيمنة على الولايات المتحدة أو حلفائها، مع الحفاظ على علاقات قائمة على الاحترام المتبادل. أما الهدف الثاني فيتمثل في زيادة تقاسم الأعباء، إذ تُلزم الوثيقة حلفاء واشنطن بتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم، مع تقديم دعم أميركي محدود، وإعطاء الأولوية لحلفاء مثاليين مثل إسرائيل وبولندا وكوريا الجنوبية.
وتستند استراتيجية الدفاع الوطني 2026 إلى مبادئ "أميركا أولاً" و"السلام من خلال القوة"، ما يفرض فهمها ضمن الإطار العام لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب التي أدخلت عامل القوة العسكرية في معادلة التعامل مع الخصوم. غير أن هذا التوجه لا يشبه نمط التدخل العسكري الواسع الذي ميّز إدارة جورج بوش الابن في العراق وأفغانستان. فإدارة ترامب لا ترحب بالأزمات طويلة الأمد، وهو ما يفسر رفضها سياسة باراك أوباما القائمة على الحروب بالوكالة، كما تجلى في معادلة سوريا الحالية، حيث جرت التضحية بقوات سوريا الديموقراطية الكردية.
وفي ما يخص التعامل مع إيران، أفرز هذا التحول معادلة جديدة تراجعت فيها واشنطن عن سياسة الاحتواء التقليدية، لتحل محلها سياسة الاستئصال التي تجسدت في العملية الأميركية في فنزويلا التي انتهت باختطاف الرئيس مادورو، وقبلها في عملية "مطرقة منتصف الليل" في إيران التي استهدفت برنامجها النووي. وتأتي هاتان العمليتان في سياق إضعاف الصين ومحاصرتها ودعم الحلفاء الذين يخدمون المصالح الأميركية أولاً، ضمن حاجة استراتيجية للتكامل الأمني خلال السنوات المقبلة.
وتؤكد الوثيقة أن النظام الإيراني بات أضعف وأكثر عرضة للخطر مما كان عليه منذ عقود، نتيجة العمليات العسكرية الأميركية والهجمات الإسرائيلية الأخيرة. وتعزو ذلك إلى تنامي القدرات العسكرية لدى حلفاء واشنطن، بما مكنهم من حماية أنفسهم والمصالح الأميركية، مثلما تفعل إسرائيل التي اعتبرتها نموذجاً يُحتذى به، لا يشكل عبئاً على الولايات المتحدة. ومن ثم لم تعد واشنطن مستعدة لتحمل العبء الأكبر في الدفاع عن حلفائها، وتطالب بدمج دفاعات الشركاء الإقليميين لتعزيز العمل المشترك.
وتشير الوثيقة بوضوح إلى أن وزارة الحرب ستمكن الحلفاء من تحمل المسؤولية الأساسية عن الردع والدفاع ضد إيران ووكلائها. وهو ما يستدعي توسيع الاتفاق الإبراهيمي كمظلة أمنية جماعية. وتنسجم تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بشأن الحشد العسكري في الخليج مع تلك الرؤية، إذ أكد جاهزية الرد إذا أقدمت طهران على أي تصعيد. أي إن ذلك الاستعداد العسكري هدفه حماية الأصول الأميركية والحلفاء إذا بادرت طهران بهجوم استباقي أو ردت بانتقام على أي هجوم محتمل وسط الضغط الممارس عليها. وكذلك قد يكون الهدف منه هو استكمال استهداف محور إيران في العراق أو اليمن أو لبنان.
وأمام هذه السياسة، اتجهت إيران إلى اعتماد سياسة "القلب الصلب" عبر تعزيز تكاملها العسكري مع روسيا والصين، ورفع مستوى التنسيق بين الحرس الثوري والجيش. ويهدف ذلك إلى سد الثغرات الدفاعية ورفع كلفة أي تدخل محتمل. ومع ذلك، ستظل حدود انتقامها محكومة بحسابات دقيقة، كما ظهر في ردودها السابقة. وفي حال نجاة نظامها من محاولة استئصاله، ستتجه عقيدته الأمنية إلى تحصين إيران وقدرتها على الردع المباشر. ولن يُحسم مستقبل صراع إيران مع خصومها فقط بميزان القوة العسكرية، بل سيلعب داخلها، وبخاصة الانقسام داخل النخبة الحاكمة والسياسية، دوراً حاسماً في تحديد مسار هذا الصراع وحدوده وأدواته وكذلك إمكان حدوث التغيير في سلوك نظامها.






0 تعليق