نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لا أدب ولا إبداع.. جماعة الإخوان الإرهابية خارج حدود الثقافة في قرن من الضجيج - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 02:06 مساءً
التنظيم قتل الإبداع وحكم النصوص بـ"التعبئة".. وسيد قطب ونجيب الكيلاني "دليل" فشل.. والتاريخ يرد كذبة "المصادرة" الفكرية
البنية الفكرية للجماعة قائمة على السمع والطاعة وأنتجت عقلًا مغلقًا وخطابًا أحاديًا معاديًا
المشروع الإخوانى تأسس على إخضاع العقل وتقييد الخيال وأغلق كل المنافذ التي تسمح بمساءلة الأفكار أو تفكيك خطاب الجماعة
ثمة مفارقة صارخة، بل فاضحة، تفرض نفسها عند تفكيك تجربة جماعة الإخوان الإرهابية في المجال الثقافي والفكري، جماعة عمرها يقارب القرن، تشعبت أفقيًا داخل المجتمعات العربية، وراكمت أعدادًا هائلة من الأعضاء والكوادر، وادّعت امتلاك مشروع شامل للإنسان والدولة والمجتمع، وخاضت صدامات سياسية وأمنية واجتماعية عنيفة، ورفعت شعارات كـ "الإصلاح" و"النهضة" بلا انقطاع… ومع ذلك، أخفقت إخفاقًا كاملًا في إنتاج فكر نقدي حي، أو أدب حقيقي قادر على تجاوز حدود التنظيم، أو اختراق الوجدان الجمعي، أو ترك أي أثر معتبر في تاريخ الثقافة العربية.
غياب ليس عارضًا ولا هامشيًا، بل غياب كاشف لعطب عميق لا يمكن تفسيره بالملاحقة أو القمع وحدهما، والإشكالية هنا لا تتعلق بوفرة المنشورات أو كثرة الأسماء، بل بجوهر ما أُنتج وقيمته وتأثيره، فأين الرواية التي هزّت وعي جيل أو طرحت سؤال الإنسان خارج الاصطفاف؟.. أين الديوان الذي عبّر عن التجربة البشرية بكل تناقضاتها، لا عن خطاب تعبوي مكرر؟.. أين النص الذي امتلك شجاعة الخروج من منطق "الأخوة" المغلق إلى أفق الإنسان الحر؟!
وعبر عقود طويلة، ظل ما نُسب إلى الجماعة من كتابات أسيرًا للخطاب الوعظي والتحريضي، مباشرًا، فقير الخيال، خاليًا من القلق الإبداعي، عاجزًا عن مساءلة الذات أو الواقع، وهو ما يجعل الحديث عن "تجربة أدبية" أمرًا يفتقر إلى أي أساس موضوعي.
ولم يكن هذا العجز موضع جدل بين النقاد والمثقفين، بل شكّل شبه إجماع. فالبنية الفكرية والتنظيمية للجماعة، القائمة على السمع والطاعة، والانضباط الحديدي، وتقديس الفكرة على حساب الفرد، أنتجت عقلًا مغلقًا وخطابًا أحاديًا معاديًا للشك والتجريب والاختلاف.
وفي هذا المناخ، لا يُنظر إلى الإبداع بوصفه قيمة مستقلة، بل باعتباره أداة وظيفية في خدمة المشروع التنظيمي، فتُختزل الكتابة في دورها التوجيهي، ويُفرغ الأدب من جوهره بوصفه مساحة حرية وكشف.
أما الاحتماء بمصطلح «الأدب الإسلامي»، فلم يكن سوى محاولة لتجميل هذا الفراغ. إذ أثبتت التجربة أن ما رُفع تحت هذا الشعار لم يتجاوز كونه نصوصًا وعظية مؤدلجة، محكومة بنهايات أخلاقية جاهزة، ترفض التعدد والتناقض والالتباس، وتعجز عن مخاطبة الإنسان خارج القالب التنظيمي؛ لذلك ظل هذا الإنتاج حبيس دائرته الضيقة، بلا قدرة على التفاعل مع الثقافة العربية، فضلًا عن الانخراط في أفق إنساني أو عالمي أوسع.
وهنا لا ندخل في سجال أيديولوجي، بل نشرح ظاهرة ثقافية كاشفة: جماعة ادّعت ضخامة تابعيها وفشلت بنيويًا في إنتاج فكر نقدي وأدب واعٍ، لأن مشروعها تأسس على إخضاع العقل لا تحفيزه، وعلى تقييد الخيال لا إطلاقه، فالإبداع لا يولد في بيئة تخشى الحرية، ولا يزدهر داخل تنظيم يرى في السؤال تهديدًا، وفي الاختلاف خطرًا، وفي الإنسان مجرد أداة داخل مشروع مغلق.
تفكيك مفهوم «الأدب الإخواني»
قبل البحث في أسباب الإخفاق، أصبح من الضروري التوقف عند المصطلح ذاته: هل يوجد أصلًا ما يمكن تسميته «أدبًا إخوانيًا»؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه توصيفًا فضفاضًا لنصوص دعوية جرى تحميلها أكثر مما تحتمل؟ فالأدب، بمعناه الجمالي والفكري، لا يُقاس بالانتماء التنظيمي ولا يُختزل في الرسالة الأخلاقية، بل يقوم على الحرية، والخيال، والقدرة على مساءلة الإنسان والواقع، وعند إخضاع ما يُنسب إلى الجماعة الإرهابية لهذا المعيار، يتبدد الادعاء سريعًا.
عمليًا، لم تتعامل الجماعة مع الأدب بوصفه فعلًا إبداعيًا مستقلًا، بل بوصفه أداة من أدوات التعبئة والتوجيه. فالكتابة، في السياق الإخواني، لم تكن مساحة مفتوحة للتجريب أو التعبير عن القلق الإنساني، وإنما وسيلة لنشر الأفكار الدينية والسياسية وحشد الأنصار، لا سيما الشباب، وقد تزامن ذلك مع منظومة صارمة من الضوابط الفكرية والتنظيمية التي قيّدت حرية التعبير وحددت مسبقًا ما يجوز قوله وما يجب تجنبه، وبهذه الصيغة، تحوّل ما يُسمى «الأدب الإخواني» إلى إنتاج أيديولوجي مغلق، يفتقر إلى القيمة الفنية، ويعجز عن الاستقلال عن خطاب الجماعة.
هذا التوصيف لم يكن محل اجتهاد فردي، بل شكّل رأيًا شبه إجماعي في الوسط النقدي، فليس من الممكن أن ما يُطرح تحت هذا المسمّى أن يكون على مستوى الإبداع الحقيقي، لأنه محكوم بوظيفة دعوية وأهداف مسبقة، وهو ما يسلب النص روحه الفنية، فالعمل الأدبي، حين يُطلب منه أن يكون "صحيح العقيدة" قبل أن يكون جميلًا أو صادمًا أو إنسانيًا، يفقد جوهره ويتحول إلى منشور مُنمّق، مهما بلغت فصاحة لغته.
من جهة أخرى، اقترن مفهوم «الأدب الإسلامي» عند الإخوان بنزعة توسعية في التصنيف، حيث جرى اعتبار أي نص يتناول موضوعًا دينيًا أو يرفع شعار القيم الإسلامية نصًا "إسلاميًا"، بصرف النظر عن مستواه الفني، وهذه المقاربة أفرغت المفهوم من مضمونه، وحوّلته إلى مظلة أيديولوجية فضفاضة، فبدل أن يكون الأدب مجالًا لاختبار القيم في صراعها مع الواقع، أصبح وسيلة لتأكيد قيم جاهزة لا تقبل النقاش.
في هذا السياق، ارتبط الإنتاج الأدبي للجماعة ارتباطًا وثيقًا بسياقاتها التنظيمية. فالأديب الإخواني، إن وُجد، لم يكن حرًا في الانفصال عن أهداف الجماعة أو تجاوز خطابها، بل كان مطالبًا، صراحة أو ضمنًا، بأن يخدم المشروع قبل أن يخدم الفن؛ لذلك ركّزت النصوص على "الحدث الإيماني" و"الصراع العقدي"، وأهملت الغوص في التجربة الإنسانية الفردية، بما تحمله من هشاشة وأسئلة وقلق وجودي.
وهكذا، يتضح أن ما يُسمّى "الأدب الإخواني" ليس تيارًا أدبيًا بالمعنى الدقيق، بل ممارسة خطابية وظيفية، إنتاج يفتقر إلى الاستقلال، ويعجز عن توليد جمالياته الخاصة، لأنه نشأ في بيئة ترى في الأدب وسيلة لا غاية، وفي الخيال خطرًا يجب ضبطه، لا طاقة ينبغي إطلاقها.
آراء النقاد والمبدعين حول إنتاج الجماعة الأدبي
عند مراجعة الذاكرة النقدية للمشهد الثقافي العربي، يصعب العثور على موقف إيجابي معتبر تجاه ما نُسب إلى جماعة الإخوان من إنتاج أدبي، فالملاحظة الغالبة، التي تكررت على ألسنة نقاد ومبدعين عبر عقود، أن الجماعة لم تنجح في بلورة أي مشروع أدبي حقيقي، ولم تُنتج نصوصًا قادرة على الصمود خارج سياقها الأيديولوجي، وهذا التقدير لا يأتي من خلاف سياسي عابر، بل من قراءة متراكمة لطبيعة ما كُتب وكيف كُتب، وللسقف الفكري الذي حكمه.
في هذا السياق، تستحضر الذاكرة الثقافية العربية مواقف ناقدة حاسمة رأت أن ما يُسمى بـ"الأدب الإخواني" لا يتجاوز كونه كتابة أيديولوجية مباشرة، تفتقر إلى الشروط الجمالية التي تصنع أدبًا بالمعنى الدقيق، وقد جرى التأكيد، أكثر من مرة، على أن هذا النوع من الإنتاج لم يتحرر يومًا من وظيفته التعبوية، ولم يُتح له أن يكون مساحة للخيال أو للتجريب أو للقلق الإنساني. بل ظل محكومًا بهدف واحد: خدمة الفكرة قبل الفن.
كما ارتبط هذا الحكم النقدي بتحليل أعمق لبنية الجماعة نفسها. فبحسب ما استقر في الوعي النقدي، فإن التنظيم القائم على الانضباط الصارم والتراتبية المغلقة لا يمكن أن يُنتج مبدعًا حرًا. التربية التي تُعلي من الطاعة وتُجرّم الشك، وتُقدّس النص المؤسِّس على حساب التجربة الفردية، تفضي بالضرورة إلى خطاب فقير الخيال، متوجس من الأسئلة، وعدائي تجاه المغامرة الفنية. ومن هنا جرى الربط بين الجفاف الأدبي للجماعة وبين طبيعتها التنظيمية التي تخنق الفرد داخل الجماعة قبل أن تمنحه فرصة التعبير.
ولم يكن هذا النقد حكرًا على الأكاديميين، بل شارك فيه عدد من كبار الأدباء الذين نظروا بعين الريبة إلى فكرة «الأخوية الدينية» بوصفها إطارًا خانقًا للفكر والإبداع. في الذاكرة الثقافية، تتردد إشارات ساخرة وحادة في آن واحد إلى محدودية هذا الفكر، الذي بدا لبعضهم أقرب إلى إدارة مغلقة للوعي، لا إلى مشروع ثقافي حي. كما استقرت مواقف نقدية قديمة عبّرت عن نفور واضح من خطاب الجماعة، واعتبرته امتدادًا لتيارات تاريخية منغلقة على ذاتها، عاجزة عن إنتاج معرفة أو جمال.
وعلى امتداد تاريخ الإخوان، ترسخ في الوعي الثقافي أن ما قُدّم تحت لافتة الأدب لم يكن سوى امتداد للمنشور الدعوي، وأن الجماعة، بدل أن تفتح المجال أمام رؤية نقدية ذاتية، أغلقت كل المنافذ التي قد تسمح بمساءلة أفكارها أو تفكيك خطابها من الداخل. وهكذا، لم يظهر داخل صفوفها تيار أدبي مستقل، ولا تجربة إبداعية قابلة للتطور، بل إنتاج أحادي الصوت، محدود الأفق، سرعان ما يفقد أثره خارج دوائر التنظيم.
بهذا المعنى، فإن غياب الأدب الإخواني لم يكن نتيجة إقصاء ثقافي، بل نتيجة طبيعية لعجز بنيوي، أدركه النقاد والمبدعون مبكرًا، وتحوّل مع الزمن إلى حقيقة مستقرة في الذاكرة الثقافية العربية: جماعة كثيفة الحضور سياسيًا، لكنها شبه غائبة أدبيًا، لأن خطابها لم يُصمم يومًا ليكون أدبًا، بل أداة تعبئة لا أكثر.
وعلى امتداد عقود، لم يكن الموقف النقدي من إنتاج جماعة الإخوان الأدبي موضع خلاف أو تباين، بل جاء في أغلبه حاسمًا وقاطعًا، ففي الذاكرة الثقافية العربية، يتردد اسم الجماعة مقرونًا بالعجز عن إنتاج أدب حقيقي، وبالارتهان الكامل للخطاب الأيديولوجي، وهو ما تؤكده تصريحات نستحرضها من الذاكرة.
الناقد الكبير صلاح فضل قال إن ما يُطرح تحت مسمى «الأدب الإخواني» لا يمكن اعتباره أدبًا بالمعنى الدقيق، لأنه يفتقد الشروط الجمالية والفنية، ويظل حبيس المباشرة والوظيفة الدعوية، أقرب إلى بيان أيديولوجي منه إلى عمل إبداعي حي، وبالتالي أن أي كتابة تُحاكم قبل كل شيء بميزان "الصواب والخطأ العقائدي" لا يمكن أن تُنتج أدبًا، بل خطابًا مغلقًا يكرر نفسه.
أما جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق، فربط هذا الفشل مباشرة بالبنية الداخلية للجماعة، معتبرًا أن طبيعة التربية الإخوانية، القائمة على الانضباط الصارم والسمع والطاعة، تُفرغ الفرد من قدرته على الخيال والمغامرة، وبالتالي فإن الإبداع لا يمكن أن ينشأ داخل تنظيم يعادي الشك، ويخشى السؤال، ويُخضع العقل لمنطق الطاعة، فالأدب، في جوهره، تمرّد ومساءلة وقلق، بينما تقوم الجماعة على إخماد هذه العناصر لا رعايتها، وهو ما يفسر هذا الجفاف الإبداعي المزمن.
هذا التقدير لم يقتصر على النقاد الأكاديميين، بل شارك فيه أدباء كبار تعاملوا مع فكر الجماعة بوصفه فكرًا مغلقًا، محدود الأفق، فالروائي صنع الله إبراهيم لم يُخفِ سخريته من المشروع الإخواني، معتبرًا أن ما يقدمه لا يتجاوز إدارة خطاب استهلاكي بسيط، بلا عمق ثقافي أو رؤية إنسانية، أقرب إلى عقلية الإدارة منه إلى مشروع فكري، أما طه حسين، عميد الأدب العربي والذي حاولت الجماعة استقتطابه، فقد عبّر في أكثر من مناسبة عن رفضه الحاد لهذا التيار، ورأى في خطابه امتدادًا لذهنية منغلقة تُعيد إنتاج الماضي، وتعادي العقل النقدي، وتتعامل مع الثقافة بوصفها خطرًا يجب تحجيمه.
وتكشف هذه الشهادات المتقاطعة عن قناعة راسخة: إنتاج جماعة الإخوان ظل محصورًا في نطاق الدعاية الأيديولوجية، ولم يُتح له أن يتحول إلى تجربة أدبية حقيقية. فالجماعة لم تنظر إلى الأدب بوصفه مجالًا للاكتشاف أو التعبير الحر، بل أداة لتكريس تصورها الخاص عن “الإسلام الصحيح”، دون السماح بمسافة نقدية أو رؤية ذاتية مستقلة، وهكذا، أُفرغت الكتابة من بعدها الجمالي، وحُشرت داخل قالب جاهز يخدم الخطاب التنظيمي.
بين سيد قطب ونجيب الكيلاني
وحين يسعى المدافعون عن جماعة الإخوان الإرهابية إلى الرد على اتهامها بالعجز الأدبي والفكري، لا يجدون أمامهم سوى التلويح باسمين يتكرران دائمًا: سيد قطب ونجيب الكيلاني، يُقدَّمان بوصفهما "الدليل" على أن الجماعة أنجبت مفكرين وأدباء، غير أن التدقيق في تجربتيهما لا ينقذ الفكرة، بل يفضحها، فإذا كان هذان هما النموذجان الأبرز لما يمكن أن تنتجه الجماعة، فإن ذلك لا يبرئها، بل يؤكد طبيعة فكرها وحدوده البنيوية.
سيد قطب، في بداياته، كان مشروع أديب لا أكثر، ناقد، مترجم، وشاعر يحاول أن يجد لنفسه موقعًا داخل المشهد الثقافي، ويكتب بدافع القلق والتجريب، كانت محاولاته الأولى تعكس بحثًا عن لغة وصوت، وربما لو استمر في هذا المسار، لكان جزءًا من تاريخ الأدب المصري الحديث، لكن هذا المشروع قُطع من جذوره لحظة انخراطه الكامل في جماعة الإخوان، وهنا، تغيّر موقع الكتابة من جذوره: لم تعد فعلًا إبداعيًا، بل صارت أداة في معركة أيديولوجية.
ومع التحول إلى المنظّر الأول للجماعة، ذاب الأدب داخل سياسة الإخوان، وتحوّلت اللغة إلى وسيلة تعبئة، واستُبدلت الأسئلة باليقينيات، لم يعد النص مساحة للتأمل أو كشف الإنسان، بل منصة لإعادة إنتاج خطاب ثنائي صارم يقسم العالم إلى إيمان وجاهلية، طليعة وقطيع، خلاص وهلاك، وبلغ هذا التحول ذروته في «معالم في الطريق»، الذي لا يمكن تصنيفه أدبيًا بأي معيار، لكنه يكشف بوضوح كيف تنتهي الكتابة حين تخضع بالكامل لمنطق التنظيم، وهنا، لا يعود سيد قطب أديبًا أخفق، بل نموذجًا لفكر لا يسمح أصلًا بولادة الأدب.
أما نجيب الكيلاني، فيمثل الوجه الآخر للعملة نفسها. فإذا كان قطب قد انتقل من الأدب إلى الأيديولوجيا، فإن الكيلاني حاول منذ البداية دمج الرواية داخل المشروع الدعوي، اختار صراحة أن تكون الكتابة وسيلة، وأن تخدم النصوص غاية "إسلامية" محددة سلفًا، وبهذا الاختيار، حسم مصير مشروعه الفني قبل أن يبدأ، ففي رواياته، لا نجد شخصيات بالمعنى الأدبي، بل نماذج أخلاقية جاهزة: بطل مؤمن كامل، وعدو واضح، ونهاية محسومة لصالح الفكرة.
روايات مثل «ليالي تركستان» لا تُقرأ بوصفها مغامرة فنية، بل كسرد تعبوي مطوّل، ووفق نقاد، فإن الخطاب فيها يعلو على الحدث، والشعار يسبق الشخصية، واللغة تُسخّر للتوجيه لا للكشف، فلا صراع داخلي، ولا التباس إنساني، ولا جرأة على كسر النموذج، ومع أن هذه الأعمال لاقت رواجًا داخل الأوساط الإخوانية، فإنها بقيت معزولة عن المشهد الأدبي العام، لأنها ببساطة لم تُكتب له، ولم تسعَ إلى مخاطبة الإنسان خارج القالب التنظيمي.
وهنا، تتكشف المفارقة الحاسمة: إذا كان سيد قطب قد فقد أدبيته كلما اقترب من الإخوان، وإذا كان نجيب الكيلاني قد ضحّى بالفن منذ البداية لصالح الخطاب الإخواني، فإن العيب لا يكمن في الأفراد، بل في الإطار الفكري الذي أنتجهم، فالجماعة لا تصنع أديبًا، بل إما منظّرًا أو داعية يكتب، لا تحتفي بالخيال، بل تضبطه، ولا تشجع الشك، بل تجرّمه، ولا ترى في الأدب قيمة مستقلة، بل وظيفة يجب إخضاعها.
من هنا، يصبح الاستشهاد بهذين الاسمين سلاحًا ضد الجماعة لا لصالحها. فهما لا يدلان على وجود “أدب إخواني”، بل على استحالة وجوده، وإذا كان هذا هو السقف الأعلى لما يمكن أن تنتجه الجماعة فكريًا وأدبيًا، فإن النتيجة واضحة: نحن أمام فكر يعادي الإبداع بطبيعته، ويحوّل أي موهبة إلى أداة، وأي نص إلى منشور، وأي مشروع إلى صدى أيديولوجي مغلق، وبذلك، لا يعود السؤال: لماذا فشل الإخوان في إنتاج أدب؟ بل يصبح: كيف كان يمكن لفكر كهذا أن يُنتج أدبًا من الأساس؟
كذب ذريعة الاضطهاد
لإسقاط الذريعة الأكثر شيوعًا في الدفاع عن العجز الأدبي الإخواني، أي ذريعة القمع والاضطهاد، لا يحتاج الأمر إلى اجتهاد نظري بقدر ما يحتاج إلى نظرة مقارنة بسيطة في تاريخ الأدب السياسي عالميًا وعربيًا، فالتجربة الإنسانية تُظهر بوضوح أن القمع، في ذاته، لم يكن يومًا عائقًا حاسمًا أمام الإبداع، بل كان – في كثير من الحالات – محفزًا له، أو على الأقل شرطًا كاشفًا لطاقة الأدب وقدرته على المقاومة والتجاوز.
في أوروبا الشرقية، لعب الأدب دورًا مركزيًا في تقويض الأنظمة الشمولية قبل انهيارها في أواخر الثمانينيات، لم تكن الرواية والقصيدة مجرد أدوات تعبير، بل ساحات اشتباك رمزي مع السلطة، ووسائل لفضح القمع وإعادة بناء الوعي الجمعي، ففي رومانيا، على سبيل المثال، كانت الكتابة الأدبية جزءً لا يتجزأ من المناخ الثوري الذي سبق سقوط نظام تشاوشيسكو، وفي التاريخ الأقدم، لم تكن الثورات الكبرى، كالثورة الفرنسية، منفصلة عن أدبها وفلسفتها، بل سبقتها ومهّدت لها عبر نصوص زعزعت البديهيات وكسرت هيبة السلطة.
والحال ذاته يتكرر في السياق العربي، فالحركات القومية واليسارية في ستينات القرن الماضي، رغم القيود الأمنية والرقابة، أنتجت أدبًا ترك أثرًا عميقًا في الوعي العام، ففي مصر، مثّل المناخ اليساري والشيوعي حاضنة لأشكال متعددة من الكتابة السياسية والاجتماعية، وبرز كتاب استطاعوا الجمع بين الالتزام السياسي والابتكار الفني، وفي ظل المشروع الناصري، شهد الأدب ازدهارًا لافتًا، وظهرت أعمال نقدية وروائية كبرى، بعضها كتب من داخل النظام وبعضها من هامشه أو خارجه، كما في تجارب نجيب محفوظ وجمال الغيطاني، وفي العراق، انعكس حضور حزب البعث، بكل تناقضاته، على الأدب السياسي والسردي، وبرزت أسماء مثل عبد الرحمن منيف التي اشتبكت مع السلطة والمجتمع في آن واحد.
حتى على المستوى العالمي، لم يمنع "الالتزام الأدبي" الحركات الاشتراكية والوطنية من إنتاج أدب مؤثر؛ من الأدب البروليتاري في الاتحاد السوفيتي إلى أدب المقاومة في البلدان الواقعة تحت الاحتلال، وفي كل هذه الحالات، ظل الأدب قادرًا على تجاوز القالب الحزبي، لأن التنظيم – مهما بلغت صرامته – لم ينجح في إلغاء الفرد بالكامل أو مصادرة الخيال على نحو شامل.
هنا، تحديدًا، تتكشف خصوصية الحالة الإخوانية، فالإخوان ليسوا كغيرهم من التيارات السياسية التي تعاملت مع الثقافة بوصفها ساحة صراع أو أفقًا للتجريب، بل كيان عقائدي مغلق يفرض وصاية دينية صارمة على الكتابة، وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى الأدب بوصفه قيمة مستقلة أو فعل كشف، بل كأداة دعوية يجب ضبطها أخلاقيًا وعقديًا، ولهذا، لم تكن الجماعة يومًا راعية للإبداع، ولا حاضنة للتنوع، ولا مشجعة على المغامرة الفنية. أولويتها كانت دائمًا بناء كتلة تنظيمية منضبطة، لا إنتاج فكر نقدي أو أدب حي.
ومن هنا، تبدو تجربة الإخوان، على امتداد قرن كامل، فريدة في فشلها الأدبي، فبينما أنتجت تيارات أخرى، رغم القمع، نصوصًا كبرى وأسماء خالدة، بقيت الجماعة أسيرة خطابها الداخلي، عاجزة عن تجاوز منطق "الوظيفة" إلى أفق الفن، لم يكن شعراؤها وروائيوها معنيين بالوصول إلى جمهور عام أو حجز مكان في التاريخ الأدبي، بل بالاكتفاء بدائرة التنظيم، حيث يُقاس النص بمدى خدمته للفكرة لا بعمقه أو جماله.

















0 تعليق