نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أمريكا.. القوة المرتبكة والمربكة - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 11:53 صباحاً
لم تعد الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة اليوم مرتبطة بشخص رئيسها، ولا محصورة في توجهات سياستها الخارجية، بل باتت أزمة بنيوية تمس طريقة إنتاج القرار الأمريكي ذاتها، فخلف الضجيج الذي يحيط بدونالد ترامب، يتكشف واقع أكثر تعقيدًا: مجتمع منقسم على نفسه، ومؤسسات تخوض صراعًا مفتوحًا مع السلطة التنفيذية، وسياسة خارجية تتحرك بلا إطار استراتيجي ثابت، وعالم يحاول التكيف مع قوة عظمى ما زالت قادرة على الفعل دون التقيد بقواعد، لكنها تفتقد التماسك والقدرة على التنبؤ.
لا يمكننا التعامل مع ترامب بوصفه سبب الأزمة، بل باعتباره تعبيرًا عنها، ولا يمكن السعي إلى توصيف تحولات السياسة الأمريكية.. بقدر محاولة تفكيك المستويات العميقة التي أعادت تشكيل النظام الأمريكي في لحظة اضطراب تاريخية.
فمن الداخل الأمريكي المنقسم، مرورًا بصدام الرئاسة مع المؤسسات، وصولًا إلى انعكاسات هذا الارتباك على السياسة الخارجية وعلى النظام الدولي، نحاول قراءة ملامح مرحلة تتآكل فيها البوصلة الأمريكية، وتُختبر فيها قدرة الدولة الأكبر في العالم على الاستمرار كنظام متماسك، لا مجرد قوة منفردة.
أولًا: الداخل الأمريكي أصل الاضطراب
لفهم ما يجري في الولايات المتحدة اليوم، لا يمكن الانطلاق من السياسة الخارجية ولا من الصراع مع الصين أو روسيا، بل من الداخل الأمريكي نفسه. فالمجتمع الأمريكي يعيش منذ سنوات حالة انقسام حادة لم تعد سياسية فقط، بل تحوّلت إلى انقسام هوية وانقسام ثقافي عميق.
هذا الانقسام لا يدور حول الضرائب أو الإنفاق أو حتى الحروب، بل حول معنى أمريكا ذاتها: من هي؟ وما القيم التي تمثلها؟ ولمن تنتمي الدولة؟ في هذا السياق، جاء ترامب بوصفه تعبيرًا عن غضب متراكم داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي، شعرت بأن النخب السياسية والاقتصادية والثقافية لم تعد تمثلها.
هذا الغضب لم ينشأ مع ترامب، لكنه وجد فيه لغة مباشرة وصدامية قادرة على تحويله إلى قوة سياسية. لذلك، فإن الترامبية ليست مجرد تيار انتخابي، بل حالة نفسية وسياسية تشكّلت داخل المجتمع الأمريكي قبل أن تصل إلى الحكم.
هذا الداخل المنقسم أعاد تعريف مفهوم العدو، لم يعد العدو الخارجي هو المحرك الأساسي للسياسة، بل أصبحت النخبة، والإعلام، والليبرالية، والمؤسسات، وحتى الحلفاء، جزءًا من خطاب العداء.
ومن هنا تحوّلت السياسة الخارجية إلى إمتداد للحرب الداخلية، تُستخدم فيها الملفات الدولية لتصفية حسابات داخلية، أو لإعادة تثبيت هوية مهددة في نظر أنصار ترامب، وتمحور كل ذلك في مفهوم"أمريكا أولاً".
ثانيًا: المؤسسة صراع لا حسم فيه
المستوى الثاني هو مستوى الدولة والمؤسسات.. الولايات المتحدة لم تُبنَ كنظام يسمح بالقرار الفردي المطلق، بل كشبكة معقدة من الضوابط والتوازنات.. الكونغرس، والقضاء، والجيش، والأجهزة الاستخباراتية، والبيروقراطية الفيدرالية، كلها صُممت لتمنع اختزال الدولة في شخص واحد، مهما بلغت شعبيته.
ترامب دخل هذا النظام بعقلية تصادمية، لم يحاول التعايش مع المؤسسات، بل سعى إلى إخضاعها أو تحييدها أو التشكيك في شرعيتها.. لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن قادرًا على تجاوزها كليًا، فقراراته تحتاج إلى تمويل، وتمويلها يحتاج إلى الكونغرس، وسياساته الأمنية تحتاج إلى جيش محترف لا يدين بالولاء الشخصي، كما أن نفوذ أمريكا العالمي يستند إلى الدولار، والدولار يستند إلى ثقة مؤسسية لا يمكن تعويضها بالخطاب الشعبوي.
من هنا نشأ وضع شديد التعقيد: لا المؤسسات نجحت في تحجيم ترامب بالكامل، ولا ترامب نجح في كسرها، ما نشهده هو حالة صراع يومي، تُعاد فيها صياغة القرارات، وتُفرّغ أحيانًا من مضمونها، وتُنفّذ أحيانًا أخرى بشكل جزئي أو مشوّه.
هذه ليست دولة عميقة تتحكم في الرئيس، ولا رئيسًا يحكم خارج الدولة، بل نظام مأزوم يعمل تحت ضغط مستمر، بلا انسجام ولا رؤية جامعة.
ثالثًا: الخارج.. سياسة بلا بوصلة ثابتة
عندما ننتقل إلى المستوى الخارجي، أي السياسة الأمريكية خارج الحدود، يظهر أثر هذا الاضطراب بوضوح أكبر، فالسياسة الخارجية لم تعد تُبنى على استراتيجيات طويلة الأمد، بل على تفاعلات آنية تخضع للداخل الأمريكي أولًا، ثم للواقع الدولي ثانيًا.
في هذا الإطار، تُعاد قراءة الملفات الدولية من زاوية داخلية ضيقة، فنزويلا لا تُناقش بوصفها أزمة جيوسياسية في أميركا اللاتينية، بل كجزء من ملف الهجرة، والكارتلات تُقدَّم باعتبارها تهديدًا للأمن الداخلي قبل أن تكون قضية سيادة دول، وحتى أوروبا، الحليف التاريخي، لم تعد تُرى كشريك استراتيجي، بل كساحة صراع ثقافي وقيمي، وكعبء سياسي واقتصادي. هذا المنطق جعل السياسة الخارجية الأمريكية متقلبة وصعبة التنبؤ، القرارات قد تتغير بسرعة، والحلفاء يتم ابتزازهم علنًا، والخصوم قد يُستفزّون بلا حسابات دقيقة.
القوة ما زالت موجودة، لكن استخدامها بات منفصلًا عن رؤية واضحة لما بعد الفعل، وهنا تتحول الهيمنة من أداة استراتيجية إلى استعراض قوة قد يحقق مكاسب آنية، لكنه يراكم خسائر طويلة المدى.
رابعًا: العالم.. التأقلم مع قوة غير مستقرة
أما على مستوى النظام الدولي، فإن العالم لا يتعامل مع الولايات المتحدة الترامبية باعتبارها قوة منهارة، لكنه لم يعد يتعامل معها كقائد موثوق أيضًا، فالحلفاء يعيشون حالة قلق دائم، يحاولون الحفاظ على العلاقة مع واشنطن، لكنهم في الوقت نفسه يبحثون عن بدائل وتوازنات تحميهم من مفاجآتها.
الخصوم لا يطمئنون إلى هذا الارتباك، لكنهم يستغلونه لإضعاف النظام الغربي وتوسيع هامش حركتهم.
القوى المتوسطة، من جهتها، تجد في هذا الوضع فرصة للمناورة، فغياب الخط الأمريكي الواضح يسمح لها بلعب أدوار أكبر، وعقد صفقات ظرفية، والتحرك بين المحاور دون التزام صارم.
العالم إذن لا يثق بأمريكا، لكنه يتكيّف معها، لأنه لا يملك خيار تجاهلها.
في النهاية، ما يجعل اللحظة الراهنة خطِرة ليس تراجع القوة الأمريكية، ولا تحركاتها المباغتة والمنفلتة، بل غياب تماسكها الداخلي، فالقوة غير المتماسكة، وغير القابلة للتنبؤ، قد تكون أكثر إرباكًا للنظام الدولي من قوة صاعدة أو حتى قوة آخذة في التراجع.
عند جمع هذه المستويات الأربع، يتضح أن دونالد ترامب ليس نقطة خلل منفصلة في النظام الأمريكي، بل تعبير عن أزمة أعمق تضرب الداخل، وتربك المؤسسات، وتشوش السياسة الخارجية، وتفرض على العالم نمطًا جديدًا من التعامل مع الولايات المتحدة.
السؤال لم يعد إن كان ترامب سيغادر أو يبقى، بل ما إذا كانت أمريكا قادرة على استعادة حدٍّ أدنى من التماسك يسمح لها بأن تعرف ماذا تريد، وكيف تستخدم قوتها، ولأي غاية.
هذا السؤال، حتى الآن، بلا إجابة.

















0 تعليق