البدون في الكويت: بين سيادة القانون وعدالة الذاكرة - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
البدون في الكويت: بين سيادة القانون وعدالة الذاكرة - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 12:23 مساءً

أحمد شهاب - الكويت

 

 

في الخليج، التحدي الأكبر ليس في النفط أو السياسة الخارجية فحسب، وانما في الهوامش الإنسانية التي تكشف الهشاشة الادارية أمام الواقع الاجتماعي والتاريخي ايضاً، إذ إن قضية البدون (غير محددي الجنسية) ليست ملفاً قانونياً مجرداً، وانما هي مرآة تعكس صعوبة التوازن بين القانون والعدالة.

وما يقودنا إلى التأمل في هذا الملف أمران: الأول، أن هذه الفئة ليست أرقاماً في سجلات الدولة، بل هي شاهد حي على الفجوة بين القانون والذاكرة الجماعية. والثاني، أن الحملة النشطة التي تقودها الحكومة الكويتية منذ عامين لمراجعة ملفات الجنسية، رافقها سحب الجنسية من أعداد كبيرة لأسباب تراوح -بحسب التصريحات الرسمية- بين الثبوت القانوني وخرق شروط منحها، وهذا يعني إضافة أرقام جديدة إلى شريحة البدون، أي أن ملف غير محددي الجنسية آخذ في التضخم عوضاً عن الحل.

ar213802Image1_121731.jpg

يشكل البدون في الكويت نحو 4% من السكان، وعددهم يقارب 100 ألف شخص، يحملون ذاكرة المجتمع وعلاقاته التي بدأت مع نشوء الدولة الحديثة. وهم يُجسدون صراع الروايتين: الرسمية التي تعتبرهم "مقيمين بصورة غير شرعية"، والذاكرة الشعبية التي تعرفهم كجزء أصيل من النسيج الاجتماعي .

لم تكن معاملة البدون كما هي اليوم؛ فمنذ الاستقلال عام 1961 وحتى عام 1985، عوملوا كمواطنين بحكم الأمر الواقع، بحيث تمتعوا بخدمات التعليم والصحة، وشكلوا - وفق شهادات تاريخية وتقارير منظمات حقوقية دولية - نسبة وازنة من قوة الجيش الكويتي وقوى الأمن الداخلي خلال العقود التي سبقت عام 1990. وقد أشار تقرير "هيومن رايتس ووتش" (1995) إلى أن قسماً كبيراً من القوات المسلحة والأمنية كان يتكون من هذه الشريحة.

بيد أن المنعطف التاريخي جاء بعد عام 1985 في سياق الحرب العراقية- الإيرانية، ثم تفاقم بشكل حاسم بعد حرب الخليج 1991، عندما أعيد تصنيفهم رسمياً "مقيمين بصورة غير قانونية" وحرموا الوثائق المدنية الأساسية (شهادات الميلاد، الهوية)، وقد بررت الادارات المعنية هذا التحول الجذري بمخاوف أمنية مرتبطة بانتماءات بعضهم القبلية والجغرافية، رغم عدم ثبوت أي ولاءات جماعية أو حالات خيانة خلال الأزمة.

ومنذ نشوء الدولة، يشارك البدون بقية المجتمع أفراحهم وأتراحهم، لكن من دون أن يحصلوا على الاعتراف الكامل. وهذا يتناقض مع المادة 29 من الدستور الكويتي التي تنص على أن "الناس سواسية في الكرامة الإنسانية". إن تجاهل هذا البعد الإنساني يشبه تزيين واجهة بناء على حساب أساسه. فالمعاناة اليومية تكشف عن واقع أطفال محرومين من التعليم الحكومي المجاني، وآباء بلا ضمانات اجتماعية، وعائلات مضطرة للتكيف مع ظروف غير مستقرة. هذه المعاناة تتراكم لتصبح عبئاً على الضمير الوطني وتخلق شروخاً في النسيج المجتمعي.
على المستوى النظري-المفاهيمي، تكشف أزمة البدون عن التوتر الحاد بين مفهومي "الدولة-الأمة" و"الدولة-المواطنة" في السياق الخليجي. فبينما تسعى الدولة لتعزيز شرعيتها عبر بناء هوية وطنية متجانسة، فإن استبعاد فئة البدون - الذين يشكلون امتداداً تاريخياً وجغرافياً للمجتمع - يعكس تحدياً بنيوياً يتكرر في المنطقة، والذي يشار له بنظرية "الاستثناء العربي"، حيث يطغى منطق الحسابات الديموغرافية والولاءات الجماعية على المعايير الفردية للانتماء والمواطنة. ويتحول قانون الجنسية من أداة لتنظيم الحقوق إلى آلية لترسيم الحدود الداخلية للمجتمع وحماية توازناته، مما يؤدي إلى خلق وجود دائم للسكان المقيمين من دون اعتراف قانوني كامل.

على مستوى السياسات العامة والحوكمة، تحوّلت أزمة البدون إلى ظاهرة مؤسسية مستقرة، تعكس تناقضاً جوهرياً بين الالتزامات القانونية الدولية والواقع الاجتماعي المحلي. فرغم توقيع الكويت على الاتفاقات الأساسية التي تكفل الحقوق للجميع، ظل الإطار القانوني والإداري القائم يُحافظ على وضع استثنائي لفئة البدون، يستند إلى تصنيفات اجتماعية وثقافية ثابتة. لا يقتصر هذا الوضع على الحرمان من الجنسية فحسب، بل يتطور إلى منظومة متداخلة من المعوقات، بحيث يحول انعدام الوثائق الرسمية دون انخراطهم في سوق العمل النظامي، مما يدفع بهم إلى الاقتصاد غير الرسمي، ويحدّ من قدرتهم لاحقاً على توفير الرعاية الصحية والتعليم الملائم لأسرهم. وبهذه الطريقة، تتحول القيود الإجرائية إلى حالة مستدامة من الهامشية، تتعاقب فيها حلقات الحرمان لتنتج واقعاً اجتماعياً واقتصادياً مُغلقاً..

على المستوى الاستراتيجي-الأمني، تؤكد الدراسات الأمنية النقدية أن إهمال ملفات التهميش الاجتماعي لا يهدد الاستقرار الداخلي فحسب، وانما يخلق نقاط ضعف استراتيجية خصوصاً في بيئة إقليمية مضطربة، اذ يمكن أن تتحول الفئات المهمشة إلى أدوات في صراعات النفوذ الإقليمي. وبالتالي، فإن معالجة قضية البدون لا تمثل واجباً أخلاقياً وقانونياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز السيادة الوطنية في وجه التدخلات الخارجية، وتحصين النسيج الاجتماعي كخط دفاع أول للأمن القومي.
الحل الجذري يحتاج إلى رؤية واضحة تبدأ بلجان فرز مستقلة تشرف عليها هيئة قضائية مع مشاركة ممثلين عن المجتمع المدني والبدون أنفسهم. ويجب أن تعتمد هذه اللجان على معايير موضوعية تشمل: طول الإقامة المتواصلة في الكويت (مع إثباتات سكنية ومالية)، درجة الاندماج الاجتماعي والثقافي، خدمة سابقة في مؤسسات الدولة والجيش، القرابة من مواطنين كويتيين، وخلو السجل من الجرائم الكبرى. وبهذه الآلية الموضوعية، تتحول العدالة من شعار مجرد إلى عملية مؤسسية قابلة للتنفيذ والمراقبة.

في النهاية، نحن أمام لحظة فارقة. إغلاق الملف بطريقة عادلة لن ينهي المعاناة فقط، وانما سيبني مناعة المجتمع ويزيد من تماسكه أمام أي محاولة مستقبلية لاستغلال هذه الثغرة. فالنجاح هنا لا يتمثل في إدارة أزمة فحسب، بل بشكل رسالة واضحة عن قدرة الدولة على مواجهة التعقيدات التاريخية والاجتماعية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق