نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من دافوس إلى مستقبل الحوكمة: التنظيم كذكاء حي في الرؤية الإماراتية - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 11:03 صباحاً
*د. إسلام محمد سرور
على هامش الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة إطلاق ورقتها البيضاء الرائدة بعنوان "Shaping the Future of Regulatory Intelligence – تشكيل مستقبل الذكاء التنظيمي: الانتقال من القواعد الجامدة إلى منظومة تنظيمية ديناميكية يقودها الذكاء الاصطناعي"، وذلك بقيادة الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وبشراكة معرفية وتنفيذية مع كلٍّ من Presight (G42) وPwC، في خطوة تعكس التزام الدولة تبني نماذج تنظيمية مبتكرة تستشرف المستقبل وتواكب التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.
هذه الورقة ليست "خطة تنفيذ تقنية" بقدر ما هي مرجع فكري وتصميمي يرسم "الحالة النهائية" للتشريع في عصر الذكاء من حيث مبادئ التصميم، والبُنى المؤسسية، والمنطق التشغيلي الذي قد يوجّه التشريعات المستقبلية ونماذج التشغيل واستثمارات التكنولوجيا في مجال الذكاء التنظيمي بشكل كامل.
وذلك يتضمن ليس التشريع فحسب، إنما يشمل أيضاً في طياته اللوائح التنفيذية، والسياسات العامة، وآليات الامتثال والحوكمة، والتفاعل الديناميكي بين الجهات التنظيمية والتكنولوجيا.
أي أن تلك الورقة البيضاء تقدم رؤية شاملة نحو تحويل التنظيم بمعناه الشامل من مجرد وثيقة تُقرأ، إلى منظومة تُدار، وتُختبر، وتتعلم، وتنتج افكاراً ورؤى تنفيذية قابلة للتطبيق وتتوقع موضع الخلل وكيفية معالجته قبل أن تظهر أي إشكاليات تطبيقية.
لماذا أصبحت "دورة المنظومة التشريعية أو التنظيمية" هي التحدّي الحقيقي؟
إن الضغط العالمي على الحكومات لم يعد محصوراً بـ"سنّ قوانين جديدة" فحسب، بل بسنّ قوانين أسرع وأكثر اتساقاً مع التحولات المتلاحقة في التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع.
وهنا تبرز الإشكالية المتعارف عليها بشأن الأنظمة التقليدية وهي "التنظيم ثم النسيان (regulate-and-forget)"، أي أن التشريع يُكتب بعقلية ثابتة بينما الواقع يعمل بعقلية متحركة، وبالتالي فإنه من خلال تلك الورقة قامت PwC بتلخيص هذا التحول بوضوح بأن المطلوب هو دمج البيانات والذكاء الاصطناعي والحوكمة عبر دورة التنظيم كاملة، بداية من الصياغة مروراً بالتنفيذ وانتهاءً الى المراقبة والمراجعة لضمان ملاءمة تنظيمية مستمرة متوائمة مع التحرك المستمر.
وفي السياق الدولي، يقدّم المنتدى الاقتصادي العالمي فكرة مكملة شديدة الأهمية وهى أن التنظيم بمعناه الشامل بات يُمثل "بنية تحتية" للاقتصاد الرقمي لا تقل تأثيراً عن الطرق والطاقة، لأنه يحدد ما الذي يمكن أن يتوسع، وأين تتشكل الثقة، وكيف تُبنى المنافسة؟
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
ماهية "الذكاء التنظيمي" وفق الرؤية الإماراتية
تقدم دولة الإمارات رؤية شاملة تتعامل مع الذكاء التنظيمي بوصفه ممارسة مؤسسية (وليس مجرد منصة تقنية)، وتلك الرؤية تجمع بين:
• بيانات تنظيمية عالية الجودة
• نمذجة رقمية للقواعد والالتزامات
• ذكاء اصطناعي داعم للقرار
• وحوكمة صارمة تُبقي الإنسان في موضع القيادة.
وخلال إعلان الإطلاق، أكدت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بدولة الإمارات أن الهدف هو الانتقال من أنظمة ثابتة إلى منظومة مرنة تتكيّف باستمرار مع متطلبات عصر البيانات والذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا، بما يعزز جودة الحياة والقدرة التنافسية، ويفتح المجال لحوار عالمي حول نموذج قابل للتوسع دولياً.
الانتقال من "النص قانوني" إلى "التوأم الرقمي التنظيمي الموحّد URDT" كنقطة تحول في التكيف التنظيمي
من أكثر ما يميّز الورقة تقديمها مفهوم التوأم الرقمي التنظيمي الموحّد Unified Regulatory Digital Twin (URDT)، ويعني توأماً رقمياً حيّاً للنظام التنظيمي بمفهومه الشامل السابق توضيحه، بحث يعمل كـ"مرآة افتراضية لحظية" تجمع التشريعات والتنظيمات المختلفة داخل الدولة، ويشمل ذلك المواد التطبيقية ذات الصلة، ومناقشات البرلمان أو مجلس النواب والجهات التشريعية وذلك بصيغة قابلة للقراءة الآلية، بما يسمح بالتفاعل الديناميكي معها بشكل مستمر وآلي، وهو ما يعني عملياً، أن الإدارة التنظيمية أو التشريعية أو صانع السياسة يستطيع أن:
1) يطرح أسئلة "سيناريوهات" (What-if) ليحدد النظام النصوص الأكثر صلة، ويتوقع آثر التطبيق والحل التنظيمي سواء كان يتعلق بنظام واحد أو أدوات تنظيمية عدة.
2) دراسة تفاعل القواعد التنظيمية القائمة مع المقترحات الجديدة،
3) الكشف عن الفجوات أو التعارضات أو التضخم التنظيمي أو المعالجة المتكررة التى يصعب رصدها بالطريقة التقليدية،
4) ويساعد في صياغة أولية لتعديلات أو نصوص جديدة من خلال السياق الذى يضعه الإنسان بما يضمن رقابة مستمرة وحوكمة للاستخدام بشكل منضبط.
وبالتالي فالآمر هنا ليس مجرد أتمتة للقانون، بل ترقية لقدرة الدولة على الرؤية والاتساق والسرعة المدروسة.
الحوكمة السيادية داخل دورة إتخاذ القرار : الإنسان قائد… والذكاء الاصطناعي مساعد
تضع الورقة ضماناً جوهرياً من خلال كون الذكاء الاصطناعي مساعداً وليس بديلًا من المشرّع، وتقدّم لهذا الغرض إطار Sovereign Governance-in-the-Loop (SGiL) ، والذي يُبقي القرار النهائي بيد إنسان "مخوّل" عند كل نقطة حرجة أو موضع خطورة، وذلك خلال دورة مراجعة البيانات إلى إتخاذ القرار النهائي.
ومن زاوية الامتثال والمخاطر، فإن ذلك يفتح الباب عملياً لمتطلبات تشغيلية واضحة مثل: صلاحيات دورية role-based authorities، مفاتيح إيقاف kill switches، مسارات تدقيق واضحة audit trails، مراجعات أخلاقية وتوقع المخاطر، حماية الخصوصية، وضوابط أمن سيبراني، وكل ذلك يُمثل عناصر أكدها تحليل قانوني متخصص بوصفها منطقاً لازماً كي "تعزّز الحوكمة الذكية" بدل أن تُضعفها.
كيف يتطور النظام من دون أن يحدث فقداً للسيطرة
تطرح الورقة مفهوم Regulatory Intelligence Innovation Loop كآلية تشغيلية لضمان أن استخدامات الذكاء الاصطناعي لا تتسرب للفعل العام من دون اختبار أو مراجعة، والفكرة تقوم على اقتراح حالات استخدام، تقييمها، تنفيذ تجارب مُحوكمة (pilots)، ثم نشرها وتوسيعها وتحسينها باستمرار، وهنا تظهر قيمة "الحوكمة كتصميم" حيث لا يُكتفي بمنع المخاطر فحسب، بل تبني مسار مؤسسي يجعل الابتكار نفسه قابلاً للتدقيق والمراجعة والتعلم.
ماذا يعني ذلك للأعمال والمهن القانونية؟
إذا تحقق نموذج المنظومة الحيّة المستمرة، فستكون النتيجة بحسب قراءات الخبراء أن قواعد الأعمال قد تتغير بوتيرة أعلى، مع رقابة أقرب وأسرع، وتحولات أكثر اعتماداً على البيانات.
وهو ما يستلزم من الشركات رفع جاهزيتها من حيث الاستجابة التنظيمية، حوكمة البيانات، والقدرة المؤسسية على التعامل مع إشراف مدفوع بالذكاء الاصطناعي.
أما للمحامين والقانونيين، فالمعادلة تتطور من مجرد "تفسير النص بعد صدوره" إلى "المشاركة في هندسة الاتساق والاختبار المسبق للأثر"، من خلال تلك المنظومة الحية لإدارة التنظيم الذكي، وفهم كيف تُبنى النماذج، وما هي حدودها، وكيف تُراجع مخرجاتها؟
ما الذي يضيفه هذا النموذج عالمياً؟ إن الورقة محل العرض في مقالنا لا تقدّم نموذجاً محلياً فحسب، بل تطرح قاموساً ومفاهيم مشتركة لتأسيس "لغة عمل" بين التشريع والتقنية.
كما أنها تنسجم مع الاتجاه العالمي الذي يصفه المنتدى الاقتصادي العالمي بأن التنظيم الفعّال يجب أن يكون قابلاً للتكرار (iterative)، منفتحاً، قابلاً للتشغيل البيني (interoperable)، وشاملاً، لأن القدرة التنظيمية المرنة أصبحت جزءاً من التنافسية والثقة الوطنية وتشجيع الاستثمار.
وبهذا المعنى، فالذكاء التنظيمي ليس رفاهية تقنية، بل ميزة سيادية، وذلك يشمل سيادة على البيانات، على المعايير، وعلى آليات صنع القرار العام وهو محط الإهتمام خلال العام الحالي 2026.
التنظيم يتعلّم… من دون أن يتخلّى عن العدالة
رسالة الورقة البيضاء - في جوهرها - أن التنظيم لم يعد "نصاً جامداً"، بل منظومة متعلّمة قابلة للتكيّف؛ تستخدم الذكاء الاصطناعي لدعم القرار لا لاستبدال الحكم البشري، وتحمي السيادة والثقة والمساءلة، وفي الوقت ذاته تُسرّع الابتكار وتزيد وضوح القواعد واتساقها ومرونتها.
ومن خلال هذا المقال نقدم تحية تقدير الى كل القائمين على إعداد هذه الورقة التفاعلية ووضع معيار جديد لما يمكن تسميتها، حوكمة ذكية جاهزة للمستقبل.
ونختم حديثنا بذلك التساؤل: هل سيصبح الذكاء التنظيمي شرطاً حاسماً لتنافسية الدول وبناء الثقة العامة خلال العقد القادم، كما أصبح الأمن السيبراني شرطاً لا نقاش فيه خلال العقد الماضي؟
*المستشار القانوني والاجتماعي والخبير في القانون الدولي، والباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.











0 تعليق