سانت مارتان وسانت بارتيليمي: حكاية تاريخ وبذخ وعِبر - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سانت مارتان وسانت بارتيليمي: حكاية تاريخ وبذخ وعِبر - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 01:20 مساءً

أصعب مرحلة قد تواجه الشخص في السفر هو إيجاد الرحلات المناسبة، وبالرغم من طول المسافة ومشقتها لجزر سانت مارتن فإن الرحلات متوفرة عبر ترانزيت بسيط في باريس، حيث تسير الخطوط الجوية الفرنسية رحلات مباشرة إلى سانت مارتن برحلة أسبوعية واحدة. كما تسير شركة (KLM) الهولندية رحلات يومية عدا الاثنين والثلاثاء عبر أمستردام. وجميع الرحلات الدولية تهبط في مطار الأميرة جوليانا على الجانب الهولندي.

وللوصول إلى جزر سانت-بارتيليمي، عبر سانت مارتن فشركة إير أنتيل وسانت بارث كوميوتر، تسير رحلات منتظمة.

سان مارتان: جزيرة واحدة ودولتان

كنتُ أمام حالة فريدة جدًا، جزيرة صغيرة جدًا (87 كم²) مقسومة بين دولتين. كل شيء قد بدأ في عام 1648. في تلك السنة، كان الإسبان قد هجروا هذه المستعمرة التي أقاموها فقط لإثبات سيادتهم في بحر الكاريبي، إذ كان ذهب ما قبل كولومبوس ومناجم الفضة في القارة أكثر أهمية بكثير بالنسبة لهم.

اغتنمت الفرصة دولتان طامعتان في المستعمرات: فرنسا، التي كان بعض مزارعي التبغ من مستوطنيها قد استقروا هناك بالفعل، وهولندا (التي كانت تُعرف آنذاك بالمقاطعات المتحدة)، والتي حاولت تأسيس أول مستوطنة فيها منذ عام 1631 لاستغلال الملح.

وبدلًا من القتال من أجل امتلاك هذه القطعة الصغيرة غير الغنية من الأرض، اقتسم الفرنسيون والهولنديون الجزيرة، حيث كان الشمال، أي ستة أعشارها، من نصيب فرنسا، بينما ذهب الجنوب، أي أربعة أعشارها، إلى المقاطعات المتحدة. تساءلتُ: لماذا هذا الاختلاف؟

تروي الحكاية الصغيرة كيف أن فرنسيًا وهولنديًا، انطلقا سيرًا على الأقدام من الطرف الشرقي للجزيرة، قد كُلِّفا بالوصول إلى الغرب بمحاذاة الساحل — أحدهما عبر الشمال والآخر عبر الجنوب — لتحديد نهاية خط الحدود عند نقطة التقائهما. ثم اختلفت الروايات: فقد قيل إن الفرنسي ركض بدلًا من المشي كما كان متفقًا عليه، أو أنه اختصر الطريق عبر الداخل، أو ربما شرب النبيذ فاستمد منه القوة، وربما كان الهولندي هو من نام متأثرًا بمشروب الجين (GIN).

أما المؤرخون، فقد رجّحوا عاملًا آخر، وهو السفن الحربية الفرنسية التي كانت راسية قبالة الجزيرة.

سان مارتان: جزيرة واحدة ونظامان

لم يكن التعايش دائمًا سهلًا، فقد تغيّر مسار «الحدود» 16 مرة. ومع ذلك، لم تكن هذه الحدود عائقًا أمام تنقل الناس والبضائع. واليوم، لم يبقَ منها سوى بعض اللافتات البسيطة على جانب الطرق.

فمنذ عام 2007، شكّل الجزء الفرنسي كيانًا يتمتع بالحكم الذاتي نسبيًا ضمن ما يُعرف بأراضي ما وراء البحار، خاصة في المجال الضريبي. أما سينت مارتن، فقد حصلت منذ عام 2010 على صفة دولة ضمن مملكة هولندا، لكنها ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي. وقد أدّى هذا الاختلاف في الوضع القانوني بطبيعة الحال إلى بعض التوترات والمنافسة.

في الجنوب، تركتُ سينت مارتن الرأسمالية المتوحشة تسود، فقد غُطّي معظم الإقليم بالإسمنت، وكان الحد الأدنى للأجور منخفضًا جدًا، وكانت الاشتراكات الاجتماعية شبه معدومة. ونتيجة لذلك، شهدت الجزيرة ازدهارين اقتصاديين وعقاريين، في الثمانينيات ثم في الألفية الجديدة، مما جذب يدًا عاملة كبيرة. وقد تضاعف عدد السكان أربع مرات (ليصل إلى نحو 80 ألف نسمة اليوم في كامل الجزيرة)، وأصبحت تضم ما يقارب 100 جنسية. لقد أصبحت أشبه ببرج بابل مسطّح.

أما في الجانب الفرنسي، فلم تكن هناك كازينوهات، وكان البناء الإسمنتي أقل، في حين انتشرت الفيلات التي أُقيمت في إطار قوانين الإعفاءات الضريبية. ومع ذلك، اشتركت الجهتان في واقع واحد، وضع ضريبي مريح جدًا موروث من زمن الميناء الحر، وسياحة يغلب عليها الطابع الأمريكي. إلى درجة أن الدولار أصبح العملة الرسمية في الجنوب ومقبولًا على نطاق واسع في الشمال.

دمار إعصار إيرما

ضرب إعصار إيرما في ليلة 5 و 6 سبتمبر 2017 كان البشر والحيوانات قد وُضعوا في أماكن آمنة، وكانت النوافذ قد دُعِّمت بألواح خشبية، وأُغلقت المصاريع المقاومة للأعاصير لدى من يملكها.

وصلت العاصفة إلى الجزيرة من الشمال الشرقي، وسرعان ما ضربت أمواج بارتفاع 10 إلى 12 مترًا السواحل، فاجتاحت الفنادق والمساكن الموجودة على الشاطئ. كانت الأرصفة قد جُرفت، وانحنت أشجار جوز الهند ثم انكسرت ، وشقّت الجدران. وغمرت المياه مراكز المدن، وانجرفت السيارات مع التيار. ولم تكن الرياح وحدها هي الأخطر، بل المواد التي حملتها معها: الأشجار والصفائح المعدنية التي اقتُلعت وتحولت إلى مقذوفات حطّمت الجدران والأسقف بقوة ضرباتها.

في الصباح، كانت الحصيلة كارثية: كان هناك 11 قتيلًا، وتضرّر 95٪ من المباني، وكان ثلثها قد دُمّر بالكامل، كما غرقت أو جنحت أو تحطمت 1200 مركب شراعي ويخت، وأصبحت 18 من أصل 21 مدرسة غير صالحة، ودُمّرت 8 من أصل 11 صيدلية. وكانت النباتات قد فقدت أوراقها تقريبًا بالكامل، كما تعطّلت شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.

وقد بقيت صورة عالقة في الأذهان، صورة أعمال النهب التي حدثت حتى قبل أن يبتعد إعصار إيرما تمامًا. وكانت العديد من العائلات قد أرسلت النساء والأطفال إلى غوادلوب أو إلى فرنسا خلال عمليات الإجلاء الأولى. ويُقدَّر أن نحو 16 ألف شخص غادروا الجزيرة في البداية، لكن كثيرين عادوا لاحقًا: وبعد عام واحد، لم يكن ينقص سوى بضعة آلاف فقط.

ورغم أن الصدمة كانت واضحة، فإن الهدوء عاد بسرعة نسبيًا، خاصة بفضل أكثر من 500 عسكري تم نشرهم مسبقًا و2500 من موظفي الدولة الذين قدموا للمساعدة في تأمين الجزيرة وتنظيفها.

الحياة عادت من جديد

كان بعض التجار، الأكثر مبادرة أو حظًا، قد أعادوا فتح محالهم. واليوم، عادت المتاجر الكبرى تمتلئ بالمواد الغذائية. وعادت السيارات تسير، كما عادت الازدحامات المرورية، وعاد أيضًا السياح: غالبًا من الأمريكيين، الذين كانوا حريصين على المساهمة في إعادة الإعمار عبر دعم الاقتصاد المحلي. وكان ذلك ضرورة حيوية لسان مارتان، حيث تعدّ السياحة النشاط الاقتصادي شبه الوحيد.

وإذا كانت المدينتان الرئيسيتان في الجانب الفرنسي، ماريغو (العاصمة) وغراند كاز، اللتان كانتا تعجّان بالحياة سابقًا، قد أصبحتا مجرد ظلّ لما كانتا عليه، فإن الحياة بدأت تعود إليهما تدريجيًا. فقد عادت الأكشاك الكريولية في السوق الصغيرة (الأربعاء والسبت) إلى الواجهة البحرية في ماريغو، كما بقيت بقايا حصن لويس القديم، شاهدًا على بدايات الاستعمار الفرنسي، دون أن تتغيّر.

أما الشواطئ، جوهرة سان مارتان، فلم تتضرر كثيرًا، فإذا كان إعصار إيرما قد جرف بعض الرمال البيضاء في خليج روج وخليج أوبرون، فقد بقي ما يكفي للسباحة، وظلّ شاطئا باي لونغ وباي أورينتال على جمالهما، رغم غياب بعض أشجار جوز الهند أو تضررها، كما عادت الحانات الشاطئية في فريارز باي. أما في آنس مارسيل، فكان الوضع أكثر صعوبة، إذ ظلّ الشاطئ غالبًا غير قابل للوصول بسبب أعمال ترميم الفنادق الساحلية التي تضررت بشدة.

وفي الداخل، كانت مزرعة لوتري قد فقدت الكثير من أشجار المانغو ومطاعمها، لكنها استعادت بالفعل مسبحها ومنطقة الاسترخاء واثنتين من مسارات الانزلاق الهوائي.

الوجه الذهبي لسان مارتان

يبرز جمال مناظر سان مارتان، من خلال المشهد الأكثر إبهارًا من قمة بيك باراديس، على ارتفاع 424 مترًا فوق المياه الفيروزية. صعدتُ بالسيارة حتى القمة، قبل أن أتسلل خلف الهوائي الذي ثناه الإعصار لاكتشاف كامل الساحل الشرقي. وفوق ذلك، بالقرب من الهوائي الوحيد الذي بقي سليمًا، كان الغرب بأكمله من الجزيرة ممتدًا أمامي.

ومن أنس مارسيل، كان مسارٌ مفتوح من جديد يتيح لي الوصول إلى الشاطئ الوحيد المهجور في سان مارتان: خليج بيتيت كاي. كانت نزهة تستغرق 45 دقيقة، تنتهي بإطلالة خلابة من نتوء صخري على هذا الشريط الوحيد من الرمال البيضاء.

وقد عادت القوارب الصغيرة لتسيير رحلاتها نحو جزيرة بينيل. كان هذا التكوين الصخري قد احتفظ بلسانه الرملي الأبيض الرائع، واستعاد مطعميه الشاطئيين. وفي شاطئ يلو بيتش، كانت الطاولات تغمرها المياه فعليًا، وخلف التلال، كان الشاطئ الشمالي، المحمي من التيارات والطحالب، يمنحني إحساس العيش كـ روبنسون كروزو، حتى مع وجود كرسي بلاستيكي قديم تحت ظل لوح خشبي.

وللبحث عن مزيد من الغرابة، توجهتُ نحو الجانب الهولندي، الذي كان أقل تضررًا وأكثر إعادة إعمار. هناك، شاهدتُ الطائرات الضخمة تحلّق على ارتفاع منخفض جدًا فوق رؤوس المصطافين في شاطئ ماهو قبل الهبوط وكانت المواعيد معروضة في (Sunset Beach Bar). كما تجولتُ في شوارع فيليبسبرغ، العاصمة، الممتدة على طول شاطئ واسع وجميل تحيط به ممشى ومقاهٍ وكراسٍ شاطئية. وقد استعادت الكنيسة الميثودية مظهرها الخشبي الجميل، كما استعاد قصر العدالة زينته العلوية على شكل أناناس.

سانت-بارتيليمي، جزيرة النجوم في جزر الهند الغربية

هبوطٌ مثير في سانت بارث

بعد أن غادرتُ قبل اثنتي عشرة دقيقة من مطار إسبيرانس في سان مارتان، بدأت الطائرة الصغيرة التابعة لشركة سانت-بارث كوميوتر بالهبوط. وتحت الجناح، كانت زرقة البحرالعميق، المخطّط بخيوط بنية من طحالب السارغاسوم المنجرفة غربًا، يتحوّل بسرعة إلى لون فيروزي. وعلى اليسار، ظهرت شبه جزيرة صخرية كبيرة مكسوّة بالخضرة، بينما بدت على اليمين جزيرتان صخريتان، وسرعان ما انكشف المستطيل المميز لميناء غوستافيا، تحيط به أسطح ذات لون أحمر قرمدي.

كانت الطائرة من طراز Twin Otter تهبط بحدة وهي تتمايل مع الرياح. اقترب التل بسرعة كبيرة، حتى ملأ النافذة بالكامل. كانت الصورة مألوفة، فكل من يصل جوًا إلى سانت بارث يمرّ بهذه اللحظة المثيرة.

كانت الجزيرة وعرة للغاية لدرجة أن الحوض الوحيد خلف خليج سان جان هو الذي أتاح إنشاء مدرج قصير بطول 650 مترًا. لكن، وبسبب الرياح السائدة، كان عليّ الاقتراب من الغرب، حيث كانت الطائرة تمرّ فوق أسطح السيارات عند دوار «كول دو لا تورمان» في المرحلة الأخيرة من الهبوط. وحتى مع ذلك، كان قد تمّ نقل التقاطع عدة أمتار.

سانت بارث: جزيرة كانت فقيرة في الماضي

في القديم، كنا نتحدث عن قطعة أرض صغيرة لا تتجاوز مساحتها 21 كم²، جافة وخالية من الينابيع أو الثروات، تقع شمال قوس الأنتيل بين مجموعة من الجزر الصغيرة. لم يحتج كريستوفر كولومبوس، خلال رحلته الثانية عام 1493، سوى نظرة واحدة ليقرر مواصلة طريقه، دون أن ينسى أن يطلق عليها اسم أخيه بارتولوميو.

لم يتدافع المستعمرون إلى الاستقرار في سانت بارتيليمي. وحده ميناؤها الطبيعي المحمي وموقعها الاستراتيجي دفع الفرنسيين إلى الاستقرار فيها في منتصف القرن السابع عشر. بدأ بعض السكان بزراعة النيلة والقطن، بينما اكتفى آخرون بتربية الماعز وصيد الأسماك أو جمع الملح. ولم تكن حياة هؤلاء الأوائل، القادمين من بريتاني أو أنجو أو فونديه أو بواتو، سهلة. وقد كانت فرنسا غير مهتمة بهم إلى درجة أنها، في عام 1784، تنازلت عن الجزيرة للسويد مقابل الحصول على امتيازات في ميناء غوتنبرغ.

وقد حوّل السويديون الجزيرة إلى ميناء حر، وأعادوا تسميتها «غوستافيا» تكريمًا للملك غوستاف الثالث. وعلى مدى عدة عقود، ازدهرت التجارة، حتى أصبحت البلدة لفترة من الزمن خامس أكبر «مدينة» من حيث عدد السكان في السويد.

لكن سلسلة من الكوارث الطبيعية، وتحول التجارة نحو جزر العذراء، ونهاية الملاحة الشراعية، أنهت هذا العصر الذهبي الأول. وبنهج عملي، أعاد السويديون الجزيرة إلى فرنسا عام 1878 بعد استفتاء.

سان بارتيليمي ونخبة العالم

لم تبدأ المرحلة الفرنسية الثانية بأفضل من الأولى، إذ بقيت الجزيرة مهمَلة إلى حد كبير.

لكن التحول جاء عام 1957، حين وقع ديفيد روكفلر تحت سحر خليج كولومبييه أثناء إبحاره، فاشترى شبه الجزيرة لبناء فيلا. كما اختار إدموند دي روتشيلد خليج ماريغو. وبعد ذلك، بدأت نخبة العالم بالتوافد: هوارد هيوز، جاكي كينيدي، غريتا غاربو، روبرت ميتشوم، ثم رودولف نورييف وميخائيل باريشنيكوف.

وسرعان ما أدرك المغامر ريمي دي هاينن، أول من هبط بالطائرة على الجزيرة، إمكاناتها، فشُيّد فندق «إيدن روك» فوق صخرة مطلة على شاطئ سان جان.

ومع مرور السنوات، تكاثرت المنشآت الفاخرة والمساكن على سفوح التلال المطلة على المحيط، حيث تنتشر المسابح اللامتناهية وسط مناظر بانورامية خلابة. وتدفّق النجوم والفنانون ورجال الأعمال وكبار الشخصيات إلى الجزيرة.

وقبل وصول إعصار إيرما، كانت الجزيرة تضم تسع فنادق فاخرة من فئة خمس نجوم و800 فيلا للإيجار (تتراوح أسعارها بين 5 آلاف و100 ألف دولار أسبوعيًا). وقد ارتفعت أسعار الأراضي بشكل كبير، وأصبح سكان سانت بارث، الذين تحوّلوا فجأة إلى أثرياء بفضل أراضيهم التي كانت مهملة سابقًا، معتادين على تعبئة اقرارات ضريبة الثروة.

سانت بارتيليمي، المقرّ الأخير لجوني هاليداي

في سانت بارتيليمي، وبالتحديد في مقبرة سان جان، كان المشهد الذي  لفت انتباهي. بعد أن استجاب لتيار الشهرة، وصل جوني هاليداي إلى سانت بارث يومًا ما من عام 1977، برفقة جو داسين، وهناك — مثل كثيرين غيره — وقع في حب المكان. وفي عام 2008، شيّد فيلا فاخرة بمساحة 413 م² فوق خليج ماريغو شمال شرق الجزيرة، قبل أن يقرر أن يُدفن في المقبرة الصغيرة في لوريان.

كان المكان مفاجئًا، إذ يرقد المغني بالقرب من مفترق طرق، في قبر بسيط يعلوه صليب أبيض مماثل لبقية القبور (فاللون الأبيض هو لون الحداد في جزر الأنتيل). ورغم أن جميع القبور مغطاة بزهور اصطناعية، فإن قبره كان غارقًا تمامًا في التكريمات: على شكل غيتار، ودراجة نارية، وعبارة «Love»، كما تشكّل مصابيح حمراء قلبًا مضيئًا، وتغطي الحصى رسائل الزوار.

تساءلتُ: هل كان جوني يتمتع بروح الدعابة؟ إذ يطلّ قبره على مقهى «جو جو برغر»، حيث كان يتردد، بحسب الروايات. ذلك المطعم، الذي يقصده راكبو الأمواج مباشرة عبر الطريق، كان موجودًا قبله، لكن المعجبين، الذين يحبون تصديق فكرة التكريم، يطلبون هناك «سبشيال جو جو» (بسعر 19 يورو)، المكوّن من شريحتين لحم، بيض، لحم مقدد، جبن شيدر وبصل.

وقد شعرت ببعض القلق من جمهور جوني في سانت بارث. فهناك من يخشى أن يتركوا انطباعًا مزعجًا بسبب شدة تعلقهم. وقد انتشرت شائعات تقول إنهم، بسبب اندفاعهم نحو القبر، قد يدوسون على قبور أخرى، أو ربما يفعلون ذلك لالتقاط صور أفضل، حتى إن الدخول مقيَّد بخمسة أشخاص في كل مرة.

سانت بارث: مملكة العزلة والترف

ما الذي يجذب الأثرياء جدًا إلى هنا؟ قد يكون المنظر جميلًا، والترف واضحًا، لكن سانت بارث ليست كابري ولا بالي. فالنباتات ليست كثيفة، والشواطئ جميلة لكنها ليست استثنائية. ومع ذلك، تمتلك الجزيرة ميزة أساسية: صِغر حجمها وصعوبة الوصول إليها نسبيًا، ما يبقي الحشود والفضوليين بعيدًا.

لا وجود للرحلات الجماعية هنا. سانت بارث هي عالم من «الداخل المغلق»، حيث يعيش الجميع بملابس بسيطة، دون حراس شخصيين أو إزعاج. هنا، يأخذ النجوم عطلة من الأضواء. ويقدّر السكان المحليون هذا النوع من الخصوصية، إذ يتظاهرون بعدم التعرف عليهم. شعار المكان: «ترف بلا تكلف»، أو ما يُعرف بـ الرفاهية حافية القدمين التي ابتكرها الأمريكيون.

لكن عند رأس السنة، يتغير كل شيء. تختفي البساطة، وتبدأ فترة البهرجة. ولمدة أيام قليلة، تغزو اليخوت العملاقة ميناء غوستافيا الصغير، حتى تكاد تحجب الضوء عن مطاعم الواجهة. وهناك يتحول الأمر إلى سباق في البذخ والحفلات الفاخرة.

وتدور المنافسة حول أكثر المضيفين إسرافًا. وتشير آخر الأخبار إلى أن الملياردير رومان أبراموفيتش تصدّر القائمة، بعد أن أنفق 7 ملايين في ليلة واحدة على 400 ضيف، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بسعر منزله في أنس دو غوفرنور (72 مليون). كما موّل مؤخرًا إعادة بناء الملعب الذي دمّره إعصار إيرما.

غوستافيا، عاصمة سانت بارتيليمي

في غوستافيا، كان تأثير الإعصار، رغم أنه من الأكثر تدميرًا في تاريخ الأنتيل، شبه غير ملحوظ للعين غير المتخصصة. فقد أعادت معظم العلامات التجارية الكبرى فتح متاجرها في شارع الجمهورية، وعادت معظم المطاعم للعمل.

وعند كل تقاطع، أُعيدت اللوحات المعدنية التي تذكّر بتاريخ المكان، ومنها أن شارع جان دارك كان يُسمى سابقًا «فاسترا ستراندغاتان»، وأن شارع أوسكار الثاني كان يحمل اسم «كونغسغاتان».

ولا تزال آثار الماضي السويدي قليلة: برج قديم من الحجر والخشب (أعيد بناؤه بعد إيرما)، ومدافع حصن غوستاف القديم التي ما زالت قائمة وتطل على الميناء. كما أُعيد ترميم الكنيسة الأنغليكانية الجميلة (1855) وكنيسة نوتردام دو لا أسومبسيون (1829)، إضافة إلى المتحف الصغير في مبنى «وول هاوس» السويدي القديم.

والخلاصة كانت واضحة، سانت بارث تتعافى أسرع بكثير من سان مارتان. وقد ساعدها في ذلك صغر حجمها، وجودة معايير البناء، لكن العامل الحاسم كان إرادة سكانها وقدرتهم المالية العالية.

أجمل المناظر البانورامية في سانت بارتيليمي

بعد غوستافيا، كنتُ قد سلكتُ الطرق الصغيرة الضيقة والمتعرّجة التي كانت تصعد وتهبط بلا توقف، متنقلًا من قرية إلى أخرى ومن شاطئ إلى آخر. كنتُ أستمتع بالتشمّس في سان جان ولوريان، كما أن شاطئ نيكّي بيتش الشهير كان قد عاد إلى نشاطه من جديد.

غير أن الفنادق الفاخرة الكبرى كانت لا تزال مفقودة جزئيًا: إذ إن جميعها، باستثناء واحد، كانت قد تضررت بشدة نتيجة الإعصار الذي ضربها مباشرة. وقد كان من المقرر أن تعيد فتح أبوابها في الوقت المناسب للموسم السياحي، لتقدّم لمكتب السياحة ورقة رابحة: قطاع فندقي مُعاد بناؤه بالكامل وأكثر فخامة من أي وقت مضى.

ورغم أن العمران كان قد توسّع كثيرًا خلال العقد الأخير، فإن الجهة الجنوبية، خصوصًا خليجَي غراند سالين وغوفرنور، كانت لا تزال شبه برية (ربما مجرد متأثرة قليلًا بفقدان الغطاء النباتي، لكن ذلك لن يدوم طويلًا). وكان المهم ألا يُنسى أخذ المظلّة.

أما أجمل شاطئ، فقد كان يقع في أقصى الشمال الغربي للجزيرة: أنس دو كولومبييه، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالقارب أو سيرًا على الأقدام. كنتُ أنزل إليه عبر مسار صخري من مرتفعات كولومبييه؛ نحو 15 دقيقة من المشي وسط شمس حارقة وظلال خفيفة، برفقة الماعز البرية والإغوانا.

وقبل الوصول إليه بقليل، كان صخرتان كبيرتان من الغرانيت تمنحان نقطة مشاهدة رائعة، تكشف الهلال الرملي الأبيض النقي، المحروس بشبه جزيرة صخرية ممتلئة، والمغمور بمياه صافية بلون اللازورد. لقد كان مكانًا أشبه بالجنة الصغيرة. هناك بدأ كل شيء، حين رمى ديفيد روكفلر مرساه في عام 1957، في يومٍ مشرق.

في نهاية هذه الرحلة عبر سانت مارتان وسانت بارتيليمي، بدا لي أن هاتين الجزيرتين ليستا مجرد وجهتين سياحيتين، بل هما مرآتان متقابلتان للتاريخ والجغرافيا والإنسان. فقد رأيتُ كيف يمكن لحدود مرسومة منذ قرون أن تصنع واقعًا مزدوجًا في جزيرة واحدة، وكيف يتحول المكان نفسه من فضاء بسيط إلى مركز عالمي للترف والنجومية، ثم يعود ليواجه اختبار الطبيعة القاسي.

ومع ذلك، ظلّ المشهد الأعمق حاضرًا: قدرة الحياة على الاستمرار رغم الدمار، وإصرار السكان على إعادة البناء، وجاذبية هذه الجزر التي لا تنطفئ حتى بعد أقسى الأعاصير. بين الرمال البيضاء والطرقات المتعرجة واليخوت الفاخرة والقرى الهادئة، أدركتُ أن سانت مارتان وسانت بارث ليستا فقط جزرًا في الكاريبي، بل حكاية مستمرة عن الصمود، والتحول، والجمال الذي لا يختفي حتى بعد العاصفة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق