نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وَهْن الخيارات اللبنانية بين تفرُّد البعض بقرار الحرب، وتفرُّد البعض الآخر بقرار السلم؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 02:23 مساءً
المحامي كارول سابا
اكتُبُ من ألمي، فاعذروا ألَمَ قلمي على الضحايا والشهداء وعلى جنوبي الحبيب الذي ينزف، وعلى تدمير قراه ومدنه ومعالم الحضارة والتاريخ فيه، معالم التنوع والفرادة والتآخي، التي تُدَمَّر بمنهجية دون رادِع ومُساءلة. ألمٌ، وانهار دموع تجري وتغمر ورقي الأبيض. نارٌ ثائِرة في قلبي والعقل، لا تحرُق وليست بدون رجاء نور. ففي زمن المحنة، يبقى العقل المُتصل مع القلب، هو المرجع. وقلبي يدمع، ولا يَنكفئ ولا يَتعب ولا يَستسلم، مُستذكراً عطر الريحان، والنعنع والياسمين ورائحة الليمون وحمضيات الجنوب وأنواره، وأشجار التين الأزلية التي تصبُر فتُثمِر. لا تخف يا جنوب لأنو وإن "غابت شمس الحق، وصار الفجر غروب، وصدر الشرق انشق، وسكرت الدروب، نرفض نحنا نموت، قولولن راح نبقى، أرضك والبيوت والشعب اللي عم يشقى، هو إلنا يا جنوب، يا حبيبي يا جنوب" <جوليا بطرس>
أما بعد، ففي علم النفس السياسي والعلوم العسكرية والجيوسياسية، تظهَر سرديّة الحرب والسلم عند الدول الصغرى لكل مُختص بهذه العلوم، كسردية واهِية، واهِنة، ضَعيفة، مُضَلَّلة ومُضَلِّلَة. فاعتماد هذه السردية في الخطاب السياسي والعسكري، يُنبئ بحالة مرضية انفصامية تُسبِّب لهذه الدول أزمات تموضع وجودية وخيارات خاطئة، وتُشير إلى حالة انتفاء القدرة على التمييز المهم والأهم، من أجل وضع الاستراتيجيات والتكتيكات الواجب اتباعها لكيلا تُسحق من الدول العدوة الأقوى منها. فمن ليس له قدرة على الحروب الشاملة التي تتطلب قدرات عدداً وعديداً، لا قدرة له على السلام الكامل، لأن السلام إما أن يكون سلام الشجعان، أو لا يكون، لكونه عندئذ، سلام الاستسلام.
من هنا نظرية "المَمر الضيق" العسكرية الاستراتيجية عند القوى الصغرى لتُساعدها على وضع الاستراتيجيات والخيارات التي لا تخلو من الذكاء، والبراعة، والحنكة، والحيلة، والخدعة، وعناصر المُفاجئة، التي تمكنها من نَصْرٍ مُعين بالرغم مِن تفاوت القدرات بينها وبين مَن يتربَّصُها شرّاً. فميزان النصر عند القوى الصُغرى في الحروب أو الأزمات غير المتوازية (أي الحرب "الأسيميتريك" و "الديسيميتريك") لا يقوم على فكرة قتل العدو أو دحره بالكليّة، وكل خطاب مُعاكس يقول بذلك يكون بذاته مشكُلة تؤدي إلى انفصام وشرخ ونتائج كارثية كالتي نشهدها اليوم. ميزان النصر عند القوى الصُغرى يقوم، إمّا على منطق "الردع"، أي ردع العدو عن المُبادرة قبل أن يُبادر، وهذا يتطلب استراتيجيات نوعية ووعياً وطنياً وشراكة في الأمن القومي، وإمّا يقوم، في حالة سقوط منطق الردع، على منطق المُقاومة، أي المقاومة غير المرئية التي تُكيل للعدو الضربات الموجعة فتجعله مع الوقت ينسحب مِن أرضك، بسبب شدة الخسائر. وهذا ما حصل بنجاح مع المقاومة في لبنان قبل وإلى العام 2000.
فنظرية الممر الضيق هذه، أنتجت في علم الحروب وإدارة الأزمات، عقيدة "الكوماندوس" أي التي تعتمد على قوة نوعية قليلة العدد، التي تخطط وتنفذ بذكاء، وحنكة، وحيلة، ومفاجئة، وتغيِّر معادلات كثيرة تقلب فيها موازين العدد والقوة. فمثلا قوة كوماندوس آرييل شارون المؤلفة من 200 كوماندوس نوعي استطاعت في حرب الـ1973 أن تُحاصر الجيش الثالث المصري، وغيَّرت مجرى الحرب وقلبت مقاييس النصر والخسارة. فحذار، في الحرب والسلم، من فخ عدم تمييز القدرات والخيارات. فمن لا قدرة له على الحرب الشاملة، لا قدرة له على السلام الكامل. فالحروب هي قدرات هجومية ودفاعية مُرَكَّبَة، نوعية ومُستدامة. والسلام ينطلق من مفاوضات تستند إلى منطق القوة التي يملكها فريق، والتي ليست بالضرورة القوة العسكرية القاهِرة المتوازية مع قوة العدو، والتي يمكن أن تكون عنصر قوة غير متوازية ولكن تشكل خطراً على العدو، وبالتالي يُريد السيطرة عليها وتفكيكها، فتصبح عندئذ قوة تفرض ذاتها في التفاوض، فيكون السلام سلام الشجعان، ليس الاستسلام.
أين لبنان اليوم مِن كل هذا ونحن نرى مع الأسف مساحة خياراته تضيق وتضيق، وباتت محصورة بين الحديد والنار والنار والحديد، ومفروضة عليه علناً في بيانات من هنا وهناك، وتصاريح ونصائح مفخخة تصل جهاراً إلى حد الترهيب والترغيب. كيف وصلنا إلى هذه الدركات وهذه الوضعية بين انتحار الحرب وانتحار السلام؟ الخطر داهِم من كل جهة، وما زلنا نرى من اللبنانيين من يصفق بخفة وبلا حياء وبلا كرامة ولا عزة، من هنا وهناك، للانتحارَيْن، دون وعي لما يرتبه كل منهما على لبنان الرسالة، لبنان الدولة الوطنية، لبنان الدولة-الأمة النموذجية، من تبعات ووصايات. أين أصبنا وأين اخطأنا؟ لا أحد يقوم، مع الأسف، بقراءة نقدية ومراجعة ذاتية، لا من هذا الفريق ولا ذلك.
نعم، لبنان في وسط مأزق وطني كبير ومفترق طرق جيوسياسي خطير. ففي زمن الأخطار الوجودية الإقليمية التي تتربَّص به، ينقسم لبنان عمودياً وأفقياً وتتجاذبه سرديات مُتضاربة، سردية المقاومة الكاملة من جهة، وسردية السلام الكامل، من جهة أخرى، سلام مع من كان إلى الأمس العدو، أقلَّه على ورق الدستور والقوانين، والذي لا يزال يُعنِّف بلا سقف عنفي، شعبنا ومناطقنا. بركان سايكس بيكو الذي صَمَت أكثر من مِئة عام ودَفَنَ ناره المُستعِرة في باطن أرض الشرق، يصحو منذ فترة على غضب وهيجان، وتتحضَّر حمائمه البركانية لتقصف خطوط الشرق القديم ولترسم بالحديد والنار خرائط شرق جديد. الأخطر في هذه المرحلة لبنانياً، أن كل يغرد على ليلاه. والأخطر الأخطر هو التفاوت في النظرة الداخلية لما هو عليه لبنان اليوم، مع ما تريده منه قوى إقليمية ميسيانية وضعت يدها على نقاط ضعفه وتستعملها للضغط عليه. فلبنان الكبير الذي نعرفه مُهدد بأخطار وجودية لقوى تحيط به وتتربص به منذ عقود. هو يحاول أن يتكلم لغة السلام العقلاني المبني على منطق ومنهجيات "قوة الحق"، في زمن قوى إقليمية ميسيانية توسعية تتكلم لغة الحديد والنار المبنية على منطق ومنهجية "حق القوة"، وهي تضع خرائطها الجيوسياسية والأهداف جِهاراً على طاولة تشريح الشرق، كل الشرق.
أخطر التموضعات تكمن في حالات الهروب إلى الأمام، أكان في معادلات الحرب، أو في معادلات السلام. أخطار السرديات اللبنانية المُتضاربة أنها لا تتقاطع بالمناهج والأهداف، وتنتج ضجيجاً كبيراً وعنفاً كلامياً قد يصل مع الأسف إلى العنف الجسدي، وتُظهر سلوكيات مُتضاربة تتمدد نارها بوتيرة عالية ومتسارعة إلى حد الصدام الحتمي. المُراقب الخارجي الموضوعي يُلاحظ كم تفلتت هذه السرديات المُتناحِرة، مِن كل ضوابط أخلاقية وسياسية ومن كل السقوف. فهي بدأت رحلة التباعد الكبير بينها مُنتجة عناصر كلام صِدامية تخوينية، تمهِّد لأخطار تصادم بين الأفرقاء. لعبة التخوين، لعبة خطرة وطنياً، لأننا نعرف أين تبدأ، ولا ندري أين تنتهي. وهي لعبة لا تجوز على رئيس الدولة والحكومة والسلطة التشريعية، بالأخص عندما نكون في هذا الموضع الحرج الدقيق وطنياً. فبالرغم من ضعف موقفنا، والمأخذ، لا بد من التعاضد والتواصل لكيلا يتم استفرادنا أكثر، ولا بد من إعادة خطاب الوصل الوطني والحد من خطاب الفصل الوطني واستبعاده، وهذه مسؤولية السلطة التنفيذية.
بالطبع المساءلة ضرورية، أي أين أخطأنا وأين أصبنا، لكن ليس تحت تهديد لغة الحديد والنار. فمن لا يريد السلام؟ ومن يبغي الحرب للحرب؟ فالمقاومة أعطت دماء على الأرض وشهداء بدون سقف وأمّّنت أنهار دماء وشهداء للتحرير قبل وإلى الـ2000. لكنها وقعت في الخطأ الذي تدفع اليوم أثمانه، بعد أن انتقلت تدريجياً من حيث تدري أو لا تدري، من سردية المقاومة إلى سردية الحرب، وأخذت تضع خياراتها وخططها وخطابها وتكوينها على هذا الأساس. فأمست ذات طابع مذهبي، وأمسى خطابها متلوناً وملتصقاً بخطاب ديني، في حين أن المقاومة إما أن تكون وطنية أو لا تكون. وطورت قدراتها العسكرية لتمسي أكثر مِن مجرد مقاومة، أي لتمسي جيشاً (ظاهراً) وأركاناً (ظاهرة) وعقيدة قتالية تقوم على منطق، ليس فقط مقاومة خطط العدو في لبنان، بل خطط لدحره ولتدميره بالكلية في داخل أعماقه. ودخلت إلى عمق الدولة العميقة في لبنان للسيطرة عليها لكي تحمي ظهرها كما كانت تقول وتستبق أي انقضاض مُسبق عليها. وتمادت وأمست دويلة في الدولة، ما جعل رصيدها الوطني يتآكل مع مشاكل الفساد والحوكمة والمُحاصصة. وكما دخلت إلى عمق الدولة العميقة في لبنان، دخلت أيضاً إلى العمق السوري والإقليمي استباقياً أيضاً، بخيارات إقليمية أحادية، فانكشفت واستسهل ضرب هيكلياتها، وتباعدت بذلك أكثر فأكثر عن المكونات اللبنانية الأخرى وكل إمكانية تقاطع معها.
أما الفريق الذي يسمي نفسه "بالسيادي"، بالمقابل، فلم يكن على نضارة سلوكيات أيضا من جهته. فالسيادة الحقة لا يمكن أن تكون انتقائية، وعليها أن تقرأ في المُتغيرات الجوهرية الدولية والإقليمية لكي تستبق أخطارها. ففي حين بدأت الخرائط الجيوسياسية مِن حول لبنان تتحرك بأخطار وجودية داهِمَة عليه، استمر هذا الفريق بلعبة السلطة والمصلحية السياسية والمحاصصة وشراكة الفاسدين والتغطية عليهم. ملف سرقة المودعين وحده يُدينه. فلم يقرأ إلى اليوم بالتحولات الجيوسياسية والمتغيرات الإقليمية والدولية التي تحيط بنا. فلا الغرب واحد أحادي عندما ترى الطلاق اليوم بين الولايات المتحدة وأوروبا. ولا العرب هم عرب الأمس، ولا سوريا، هي سوريا الأمس، ولا إسرائيل اليوم التوراتية هي إسرائيل الأمس، أو إسرائيل 1982. فلا زلنا نقرأ إسرائيل وكأن الصهيونية الاشتراكية العلمانية لا زالت متحكمة بأروقة الحكم فيها، بينما هذه انقرضت لمصلحة هيكلية جيوسياسية وعسكرية متكاملة لصهيونية دينية توراتية. فالخرائط الجيوسياسية من حول لبنان تتحرك خطوطها وتتدافع السياسات التي ترافقها التي تهدد أسس الميثاق اللبناني وجغرافية الدولة-الأمة، الدولة الوطنية، دولة الـ10452 كلم2. فدولة لبنان الكبير التي عرفناها لمئة عام، تحتضر اليوم تحت وطأة تداعيات تراكمات أخطاء وطنية قاتلة، لمنظومة سياسية مصلحية تعاقبت على سوء إدارة هذا البلد الرسالة وأججت فيه المذهبية والطائفية، والزبائنية والمحاصصات على أنواعها، وتحتضر أيضاً تحت ضربات المسيانيات الدينية التوسعية المُتنافسة على صدر الشرق.
كل هذه الأخطاء والتراكمات أسفرت عن حروب داخلية على السلطة وتمييع لمشروعية المقاومة في العمق الوطني اللبناني وتمييع للسيادية الحقة. فالمقاومة إما أن تكون مقاومة وطنية أو لا تكون، ولا يمكن أن يشكل غطاء لها اتفاق مار مخايل الذي بقي اتفاقاً مصلحياً بين مُكونين حزبيين داخليين تموضع ضد مكونات أخرى. ولا بيانات وزارية ورقية. والسيادية لا يمكن أن تكون انتقائية. فإما أن تكون، في بلد مركب مثل لبنان سيادية وطنية أو لا تكون. النتيجة اليوم، ضجيج سياسي كبير في لبنان، لكن كلام ببغائي دون دسامة فكرية ووطنية، ضجيج تحركه المصالح. أخطار وجودية وخفة وطنية بالتعامل معها. الرؤية الوطنية محجوبة بفعل انفصامية مُتمادية. وماكينة الوفاق الوطني غائبة وفي حالة من اللاوعي.
بالرغم من هذه الأخطاء والمساءلات الضرورية، لا أستطيع إلا أن أحيِّي هؤلاء الشجعان والشهداء الذين لا يزالون على أرض الجنوب الحبيب، يداافعون عن قراهم وعن كل شبر من أرض الوطن في الجنوب. فليس بالجنوب ضيع مسيحية، وضيع شيعية، كما يقول البعض البائِس اليوم، بل ضيع لبنانية حبيبة. وتحيتي الوطنية هذه للمقاومين اللبنانيين في الجنوب تشبه كلام يُمنى بشير الجميل العزيزة الوطني، العزيزة، ويشبه تحية الشيخ العزيز الصديق سامي الجميل الذي وقف وقفة عز وطنية في المجلس عندما تخطى خطوط الانقسامات الداخلية بشجاعة، وطالب أن يكون لنا قدرة وطنية لنعترف لبعضنا البعض بشهدائنا. وبهذا التجسير الوطني، الذي يسكن قلبه هو يشبه عمه البشير، بشيرنا الشهيد، الذي وقف أيضاً وقفة عز كبيرة، في عمق الأزمة، وقاوم على قطع رأسه، منطق فَرض السلام عليه، لأنه أراد بكل وعي وطني شريف، أن يكون معه الشريك الوطني المسلم، كل الشريك الوطني المسلم. فالبشير فَهِمَ أن السلام، سلام الشجعان، ليس لحظة اقتناص أو لعبة كسر عضم بعضنا البعض بذراع الخارج، بل لحظة مصيرية تتطلب وعياً وتمييزاً وقناعات راسخة وتنقية للذاكرة المجروحة والجريحة التي لا زالت تنزف. فالكل مع السلام الشامل والعادل الذي لا اقتناص فيه.
في النهاية، لا خلاص للبنان إلا من خلال إعادة تثبيت الميثاق. وهذا لا يتم بسياسات "الفَصْل" المُتبعة اليوم من كل الأفرقاء، بخطاب تخويني وعُنفي من هنا وهناك، والتي تتموضع إقليمياً ودولياً مع هذه القوى أو تلك، بل بسياسات "الوَصْل" التي تُفتِّش عن أسس مُتجدِّدة للوفاق الوطني وتفتش عن الدول الضامِنة لحياد إيجابي لبناني الذي عليه، من أجل أن يُضمَن، أن يُقدِّم (دون ضرب السيادية) للدول الكبرى الضامنة <وليس لدولة واحدة بعض من مصالحها. هذا ميزان استراتيجي وطني يتطلب تحديد استراتيجيات وأهداف وطنية واضحة وتمكين للميثاق وتمتين للدولة دولة القانون. هل لنا قدرة على ذلك، قبل أن نذهب للحرب أو للسلام، مفككين ومُنفصلين عما نحن والمحيط؟











0 تعليق