من التفاهة إلى السفاهة! - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من التفاهة إلى السفاهة! - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 8 مايو 2026 04:31 صباحاً

  قبل أن ينشر المفكر الكندي آلان دونو كتابه "نظام التفاهة" عام 2018  ظهرت في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي نظرية التفاهة في الإعلام. نظرية دونو كانت أوسع وتناولت الحياة السياسية والفكرية فضلاً عن الإعلام والترابط العضوي بين الأقانيم الثلاثة. وفي مطلع الألفية الثالثة شاع مفهوم شعبوي سمي بـ"صحافة المواطن" نتيجة الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وانفلات حرية الرأي والتعبير من كل الضوابط والقيود التكنولوجية والقانونية وحتى الأخلاقية.

 

نظرية دونو، في المجال الإعلامي، هي مفهوم نقدي يُشير إلى هيمنة المحتوى السطحي والتافه على وسائل الإعلام عبر إبراز  التافهين  وتهميش الكفاءات والمحتوى الجاد اعتماداً على الإثارة السريعة وصناعة الشهرة الزائفة وتسليع الثقافة، الأمر الذي يقود في النهاية إلى ضعف المعايير الفكرية وانحدار القيم الاجتماعية. وهكذا يتحول الإعلام من منتج للمعرفة ومساهم في إرساء الديموقراطية إلى منتج للمضامين السطحية ومروج للسلع والقيم الاستهلاكية والسوقية.

 

ترفيه مخادع
لقد تحول المضمون الإعلامي، خصوصاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، إلى الاهتمام بالمسائل الثانوية معتمداً على الترفيه البسيط والمخادع، وباتت فساتين الفنانات ومغامراتهن العاطفية وعلاقات نجوم الفن والرياضة وفضائحهم وألوان عيونهم وحركات أطفالهم وثرواتهم وسياراتهم تتصدر أخبار المواقع....

 

وفي ظل شبه مجانية النشر ظهر من سموا بالمؤثرين الذين يعرضون غالباً بضاعتهم الرديئة والمثيرة والفضائحية والكاذبة في أثواب من الإثارة الجنسية والعاطفية والطائفية والمذهبية. ومن ضمن هؤلاء أدعياء علم ودين وأدب يبيعون أصواتهم وصورهم وثرثراتهم لمن يدفع ثمن "اللايكات" والتعليقات السخيفة غالباً والسفيهة في أحيان كثيرة.


سيطر الترفيه السطحي والسخيف وكان لا بد من جديد، وبما أن التطور هو سنة الأشياء تطور المفهوم من التفاهة إلى السفاهة في منحى انحداري متواصل. لم يؤد نقد التفاهة إلى تحسين المنتج، بل على العكس إلى تقهقره وحل السفهاء محل التافهين (وهم بالأصل تافهون).

 

جيوش من "المواطنين"

سمحت "صحافة المواطن" لأي حامل هاتف خليوي ببث أخبار ومعلومات وفيديوات لا تخضع لأي قواعد مهنية ولا لأي رقابة، لا ذاتية ولا قانونية، وفي الوقت الذي كان بعضهم يهلل للظاهرة الجديدة ولانخراط المواطنين مباشرة في الرقابة على الحكومات وفضح الممارسات، كانت تتكشف الأخطار على مهنة الصحافة وأصولها وعلى قيم الحرية والمسؤولية والأخلاق والحقيقة... جيوش من "المواطنين" صاروا يبثون معلومات غير موثقة (لا ينفي ذلك وجود تجارب جدية ظهرت خلال الحروب على غزة ولبنان،مثلاً، وبرز خلالها مواطنون وثقوا اللحظة بموضوعية) وآراء وتعليقات وتلفيقات وتزويرات للحقيقة، ما أبرز جهلاً بالأصول المهنية وبخلفيات الأحداث وبخطورة البث المتفلت على الشاشات في مواقع التواصل الاجتماعي.


انزلقت "صحافة المواطن" في لبنان (وفي بعض البلدان العربية) من التفاهة الغالبة إلى السفاهة إذا لم يكن إلى أكثر من ذلك. وإذا كان بعض هذه السفاهة "عفوياً" ونابعاً من جهل، فإن بعضه الآخر، كان "واعياً" ومقصوداً ومنظماً. جن جنون السفهاء في لبنان خلال الأيام الأخيرة وتخطوا كل حدود اللياقة والأدب والاحترام. شتائم متبادلة وتحديات وتعرض قبيح لقيادات سياسية ومراجع روحية ورجال دين من مختلف الطوائف. انفلتت الأمور من عقالها ودارت حرب سفيهة شارك فيها إعلاميون وناشطون مؤثرون ورعاع متفلتون. وبدت الحملات في بعض الأحيان كأنها تحظى برعايات معينة.

تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن لجم حالة الفلتان الإعلامي التي باتت تهدد فعلاً السلم الأهلي بعدما ارتفع منسوب الاحتقان الطائفي والمذهبي إلى حد قد يصعب ضبط تداعياته. الإعلام الطائفي وجيوشه أكبر من قدرة الدولة التي تكابد لبسط حد مقبول من الأمن في مواجهة الظواهر الشاذة التي أفرزتها حال اللااستقرار وهشاشة الأوضاع العامة الناتجة من الحرب الإسرائيلية.


قد تكون السفاهة أحياناً أداة ترفيه وتسلية رخيصة، وهو نموذج بدأ يسيطر على المسرح والتلفزيون وحتى على الأدب، ويندرج ذلك في إطار السعي إلى شهرة سريعة وكسب المال السهل في عالم يتجه أكثر فأكثر إلى التبسيط والتسطيح، لكنها في المجتمعات المأزومة والمنقسمة تصبح قنبلة موقوتة.  

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق