يوم انهار كل شيء في كيفون… صاروخان إسرائيليان أبادا عائلات وشقيقتان لا تزالان مفقودتين - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
يوم انهار كل شيء في كيفون… صاروخان إسرائيليان أبادا عائلات وشقيقتان لا تزالان مفقودتين - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 8 مايو 2026 01:09 صباحاً

على تخوم الركام الذي لا يزال يُرفع بعد 16 يوماً على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت بلدة كيفون، يقف العمّ مصطفى مدني (70 عاماً) مثقلاً بالحزن والانكسار. يضمّ مسبحته السوداء بين يديه، ويحدّق بالردم كمَن يلقي نظرة أخيرة على آثار تسعة من أقاربه قضوا جميعاً في 8 نيسان 2026.

 

صاروخان كانا كفيلين بمحو كلّ شيء. سقط سكان المبنى وروّاد الصيدلية معاً، ولم ينجُ سوى قلّة من هذه المجزرة التي خلّفت أثراً عميقاً في البلدة.

 

المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق يضم صيدلية ومستودع أدوية وشققاً سكنية، انهار على من فيه، وعلى من قصده بحثاً عن دواء أو مستلزمات طبية. في لحظة واحدة، انتهت حياة 32 شخصاً، بينهم أطفال، ومنهم رضيع لم يتجاوز أشهره الأولى، إضافة إلى نحو 70 جريحاً، في حين لا  تزال آثار ندى وعايدة النجار مفقودة حتى اليوم، بانتظار ما ستكشفه نتائج فحوص الحمض النووي.

 

على وجه العمّ مصطفى ارتسمت ملامح التعب وثقل السنين، وفي عينيه وجعٌ يصعب احتماله. يدرك تماماً أن الظلم طال عائلة بكاملها، لم يبقَ منها أثر. يروي لـ"النهار": "العائلة كانت مؤلفة من الحاجة رجاء مدني، وشقيقتيها، وأطفالهما الخمسة مع والدهم… سقطوا جميعاً في لحظة غدر، في مكان اعتقدوا أنه آمن، بعدما نزحوا في بداية الحرب، في 2 آذار، من بلدة دير قانون – رأس العين في قضاء صور إلى كيفون في قضاء عاليه". يضيف بأسى: "يبدو أنه لم يعد هناك مكان آمن".

 

تحت وطأة الانفجار، قُذفت الحاجة من مكانها، وعُثر على جثتها على مسافة قريبة، فيما وُجد باقي أفراد العائلة متقاربين، مغمورين بالركام. يقول بحزن: "الله يرحمهم… هون راحت عائلات كثيرة". بعض الجثامين كانت مشوّهة بفعل قوة الانفجار، فيما عُثر على أخرى بحالة كاملة، ناهيك بالأشلاء.

 

هذه المجزرة التي شهدتها البلدة، في مكانٍ لم يتوقّع أحد أن يُستهدف، لا المبنى ولا الصيدلية، خلّفت أثراً ثقيلاً ومشاهد موجعة لا تفارق ذاكرة الأهالي. يقولون "كثيرون نزحوا إلى هنا على أساس أنها منطقة آمنة… لكن ما حصل كان مجزرة حقيقية".

 

يعبّر العمّ مصطفى عن أسفه لأن أحداً لم يسأل عن الضحايا الذين سقطوا هنا. يوضح بمرارة "نحنا بس يللي منسأل عن بعض". يدرك أن المسؤولين منشغلون بمناصبهم ومصالحهم، فيما يُترك المواطن لمصيره. ويختم: "الدم يللي سقط هون ما بيعنيلهم شي".

 

الدمار في بلدة كيفون بعد الغارة الإسرائيلية

الدمار في بلدة كيفون بعد الغارة الإسرائيلية

 

"هذا هو ابني الحلو"

شهدت منطقة الجبل أربع ضربات إسرائيلية في 8 نيسان، من بينها مجزرة كيفون، حيث استُهدف مبنى سكني يضم في طابقه الأرضي صيدلية "مما تحبّون"، التي كانت تُستخدم لتقديم وتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية للنازحين في المنطقة. هذه الصيدلية، التي فتحت أبوابها خلال حرب 2024 لتكون ملاذاً للمتضررين، أُقفلت اليوم إلى الأبد، وأُقفلت معها قصص كثيرة لم يُتح لها أن تُروى.

 

يصف حسين، وهو منقذ في الدفاع المدني التابع لـ"الهيئة الصحية الإسلامية"، المشهد بـ"الفاجعة"، مضيفاً أن ما جرى في ذلك اليوم "كان مجزرة على امتداد لبنان، وخلال عشر دقائق فقط". ففي ذروة النهار، وفي وقت كانت الحركة في أوجها، وتحديداً مع توافد الناس إلى الصيدلية، وقعت الغارة الإسرائيلية.

يقول حسين: "كان الناس مجتمعين، وهناك ضغط كبير على الصيدلية، إلى جانب حركة السير على الطريق العامة. وبعد سماع غارة في منطقة قريبة، خرج البعض لمعرفة مكان الاستهداف، قبل أن يُقصف المبنى والصيدلية التي كانوا يقصدونها، ما أدى إلى سقوط ضحايا بينهم أطفال".

 

ولا يُخفي أن مثل هذه المشاهد باتت جزءاً من يومياته مع عناصر الدفاع المدني، رغم قسوتها، لكن ما يظلّ عالقاً في ذاكرته أكثر من غيره هو لحظة إنسانية لا تُنسى: "وقف إلى جانبي أبٌ ينتظر ابنه، وحين رآه بين الركام قال لي: هذا هو ابني الحلو". يقرّ حسين بصعوبة نسيان تلك الكلمات، وبوصف الأب لطفله الذي قضى في مجزرة كيفون.

 

لم يكن ذلك الطفل هو الوحيد الذي وُجد جثمانه في المبنى المستهدف، إذ يؤكد حسين أنه انتشل أيضاً رضيعاً صغيراً. يعترف "كنت أقول لنفسي إن هذا الرضيع دفع ثمن حياته من دون أي ذنب. لم يُتح له حتى أن يبدأ حياته".
هذه المشاهد، وفق ما يصفها، تبقى عالقة في ذاكرته رغم ضغط العمل.

 

فخلال عمليات الإنقاذ، يكون التركيز منصبّاً على محاولة انتشال أكبر عدد ممكن من الناجين، وفق ما يوضح "أثناء العمل يكون همّنا إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس". وبعد انتهاء المهمة، تبدأ التفاصيل الإنسانية بالعودة بثقلها الكامل.

 

المفقودتان ندى وعايدة النجارة بعد مجزرة كيفون (الصورة من الموقع الاجتماعي)

المفقودتان ندى وعايدة النجارة بعد مجزرة كيفون (الصورة من الموقع الاجتماعي)

ندى وعايدة... ضحيتان لا أثر لهما

نمضي قدماً بحثاً عن أجوية فتكون القصص أكثر قساوة عند سماعها. تفاصيل موجعة تترك أثرها هنا، ولا شيء يمحي دماء الضحايا الذين سقطوا في غضون لحظات فقط. من بين هذه القصص، حكاية رنا ناجي، الأم الشابة التي لم تتمكّن من تأمين الحليب لابنتيها، قبل أن تقتلها الغارة الإسرائيلية.

 

كانت قد نزحت من بلدة حاروف بحثاً عن الأمان، لتجد نفسها في واقعٍ أكثر قسوة، حيث لا مكان آمناً يُعتدّ به. عادت لاحقاً إلى منزلها جثةً هامدة، بعد أن غادرته على أمل تأمين الحد الأدنى من احتياجات طفلتَيها، فيما عُثر عليها تحت أنقاض الصيدلية، وبقيت الصغيرتان تنتظران أمّهما التي لن تعود.

 

رنا ناجي التي توفيت بالغارة الإسرائيلية في كيفون(الصورة من الموقع الاجتماعي)

رنا ناجي التي توفيت بالغارة الإسرائيلية في كيفون(الصورة من الموقع الاجتماعي)

 

كذلك، لا تزال الشقيقتان ندى وعايدة النجار من بلدة العبادية في عداد المفقودين. كانتا قد وصلتا إلى كيفون لتأمين الأدوية، من دون أن تعلما أن الرحلة ستتحوّل إلى لحظاتهما الأخيرة. ركنت الشقيقتان سيارتهما مقابل الصيدلية قبل أن ينقطع أثرهما بالكامل. منذ ذلك الحين، تعيش العائلة على وقع الانتظار والبحث، تستغيث علّها تجد أي أثر أو بقايا يمكن أن تُنهي حالة الغياب القاسي.

 

حتى اللحظة، لا تزال ندى وعايدة مفقودتين، بانتظار ما ستكشفه نتائج فحوص الحمض النووي. وتبقى صورهما معلّقة، فيما يثقل الغياب ذاكرة العائلة، ويترك فراغاً لا يملؤه سوى الأمل المعلّق بمعرفة المصير.

 

الجثث على الأرض متطايرة

كانت لحظات قصيرة تفصل بين الحياة والموت. وعند سؤالنا عن الضحايا، يستعيد يحيى مرعي، من سكان كيفون، وصاحب محل يقع مقابل المبنى المستهدف، تفاصيل ما جرى، ويقول إنه يتذكّر الشقيقتين ندى وعايدة النجار لأنهما تحدّثتا إليه قبل لحظات من الحادث، وطلبتا ركن سيارتهما أثناء توجّههما إلى الصيدلية.

 

يعترف بصوت حزين "لو أنني أخّرتهما قليلاً فقط، لربما كان بإمكانهما النجاة… أفكر فيهما كثيراً، وأتذكر وجهيهما قبل أن يختفيا بلا أثر".

كان قد تحدث إليهما قبل أن يواصل طريقه مع صديقه، الذي توقف للحظة عند محل بيع البيض، فيما قرر هو متابعة سيره نحو بائع الخضار.

 

ويصف لحظة الانفجار "سمعنا صوتاً، ثم رأينا النار تخرج من المبنى. اللهيب كان قوياً جداً، والناس في حالة ذهول وصدمة. الجثث كانت على الأرض ومتطايرة… كان مشهداً صعباً للغاية".

 

أثناء عمليات رفع الأنقاض، يشير مرعي إلى أنه جرى "انتشال طفل صغير كان موجوداً على الجهة المقابلة من الطريق". يوضح بأن "المشاهد التي رأيناها قاسية ويصعب وصفها".

 

ويستعيد لحظة أخرى لا تفارقه، حين تعرّف على صديقه الذي كان يمشي معه في الطريق من خلال قميصه. يقول "شعرت أن قلبي انقبض". كم تمنى مرعي لو أنه واصل السير معه ولم يتوقف في تلك اللحظة.

 

كذلك يتذكر الطبيب نديم شمس الدين، الذي كان يراه يومياً يلعب مع أطفاله في الخارج، لكنه في ذلك اليوم لم يخرج من شقته… إذ قضى مع عائلته (زوجته الدكتورة أسرار إسماعيل وأولاده الثلاثة) داخل المنزل الواقع فوق الصيدلية. يقول بأسى: "ما زلت أذكر وجوههم… من الصعب أن تنسى جيرانك الذين كنت تراهم كل يوم".

 

احترقت سيارته، شأنها شأن سيارات ضحايا آخرين، وبات كل شيء في المكان يكتسي برائحة الموت.

 

ثوانٍ معدودة كانت كفيلة بأن ترسم مصائر مختلفة، بين من نجا ومن انتهت حياته في اللحظة نفسها، في مشهد يلخّص قسوة ما جرى خلال دقائق قليلة فقط.

 

تاريخ البلدة

كانت بلدة كيفون، على امتداد عقود طويلة، مكسوّة بالكامل بالصنوبر البلدي. في تلك المرحلة، ارتبطت هوية البلدة بالزراعة، حيث اشتهرت بزراعة العنب والتين، قبل أن تشهد في السنوات الأخيرة تمدداً عمرانياً متسارعاً، بدأ يغيّر تدريجياً ملامح البلدة، وينقلها من طابعها الريفي التقليدي إلى واقع عمراني آخذ في الاتساع.

 

صورة لقلعة الحصن في بلدة كيفون (الصورة من موقع البلدة)

صورة لقلعة الحصن في بلدة كيفون (الصورة من موقع البلدة)

 

هذه البلدة التي تعني "الحجر الصخري" في دلالة واضحة لارتباطها بالحجر، تحمل في طيّاتها إرثاً تاريخياً يتمثل بـ"قلعة الحصن" الأثرية، التي تعاقبت عليها حضارات متعددة، من التنوخيين امتداداً إلى الرومان.

 

أما اليوم فأصبحت تحمل وجعاً ثقيلاً مغمساً بالدم، بعد أن شهدت على مجزرة ستبقى محفورة في ذاكرة أهلها واللبنانيين. 

رنا ملاعب التي كانت تساعد النازحين قُتلت في الغارة الإسرائيلية في كيفون

رنا ملاعب التي كانت تساعد النازحين قُتلت في الغارة الإسرائيلية في كيفون

 

خرجت ولم تعد

نواصل البحث، فتتوالى القصص تباعاً عن أسماء كانت تضجّ بالحياة قبل أن تتحوّل إلى ذكرى. من بين هذه القصص قصة رنا ملاعب وصديقتها الصحافية سوزان الخليل. من كيفون إلى بيصور، كانت الطريق مثقلة بما يفوق الاحتمال، وكلّما اقتربنا من منزل العائلة ازداد الوجع حدّة.

 

خرجت رنا صباح ذلك اليوم لتأمين أدوية للنازحين، من دون أن تعلم أنها لن تعود، وأن طريقها ستتحوّل إلى مسارٍ أخير داخل مجزرة لم ترحم أحداً.

 

على الدرج المؤدي إلى المنزل، يبدأ الصمت الثقيل برواية ما حدث. في الداخل، تستقبلك صورتها الكبيرة إلى جانب صديقتها سوزان الخليل، التي رحلت معها حين أغارت الطائرات الاسرائيلية على المكان. رحلتا معاً، كما عاشتا، لا تفترقان.

 

يروي نرام (19 عاماً) لـ"النهار" تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت مغادرة والدته المنزل في ذلك الأربعاء الأسود. يقول "أنهت تحضير الغداء، ثم التفتت إليّ وقالت: لا تنسَ أن تُغلق الباب. قبّلتني وغادرت… لكن هذه المرة، لم تعد".

 

يستعيد ذلك اليوم الثقيل، يوم المجزرة، حين بدأت الاتصالات تتوالى من الأقارب للاطمئنان إلى سلامة العائلة، قبل أن ينقلب كل شيء في لحظة. هناك، في مستشفى قبرشمون، أخبر زوج رنا ولديه بوفاتها، يؤكد نرام "ولم يسمح لي برؤيتها، كي تبقى صورتها الجميلة كما هي في ذاكرتي".

 

يعيش نرام على وقع ذكرياتها؛ صوتها لا يزال يتردّد في أذنيه، وتفاصيلها حاضرة في كل زاوية من المنزل، وفي أدقّ تفاصيل يومه. يتمسّك بأمل واحد "أن تبقى قصص الضحايا حيّة… كي لا يطويهم النسيان، وكي تبقى هذه المجزرة محفورة في الذاكرة".

 

الصحافية سوازن الخليل التي سقطت في الغارة الإسرائيلية في كيفون في 8 نيسان 2026 (الصورة من حسابها على إنستغرام)

الصحافية سوازن الخليل التي سقطت في الغارة الإسرائيلية في كيفون في 8 نيسان 2026 (الصورة من حسابها على إنستغرام)

 

"الله يحرق قلوبهم"

ومن منزل رنا ننزل الأدراج المؤدية إلى منزل عائلة سوزان الخليل، صديقتها في الحياة والممات. 

في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". غيابٌ فُرض قسراً، لا يشبه أي فراق. وبين دموعها، لا تجد سوى دعاء واحد تكرره بحرقة: "الله يحرق قلوبهم متل ما حرقولي قلبي".

على الكنبة المقابلة، يجلس والدها الحاج فضل الله حسن الخليل (89 عاماً). يعترف في حديثه لـ"النهار" بأنها "كانت تحب عمل الخير ومساعدة الناس… وقُتلت وهي تقوم بما أحبّت". 

من عرف سوزان يعرف جيداً كيف كرّست حياتها ووقتها، منذ اندلاع الحرب الماضية، لخدمة النازحين وتلبية احتياجاتهم. لم تكن تعرف الراحة، لا ليلاً ولا نهاراً، وكانت تردد دائماً "الناس بحاجة إلى المساعدة".

 

يستعيد الحاج الخليل تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت رحيل ابنته، فيؤكد "خرجت عند العاشرة صباحاً من المنزل مع رنا لتقديم المساعدات، ثم توجهتا إلى الصيدلية لتأمين الأدوية للنازحين. اشترتا ما يلزم، وغادرتا، لكنهما عادتا أدراجهما بعدما تبيّن أنهما نسيتا جزءاً من الأدوية. وما إن ركنتا السيارة ونزلتا… حتى وقعت الغارة". 

 

لحظات قليلة كانت كفيلة بإنهاء كل شيء. حيوات انطفأت تحت الركام، وبقيت صورها معلّقة على جدران البيوت. يضيف " لو لم تعودا أدراجهما، لكانتا اليوم هنا. لكن بين القدر وقسوة ما جرى"، كانت النهاية أقسى مما يُحتمل.

 

هو الذي يؤمن بأن "الجسد في الأرض والروح في السماء"، يترحّم على ابنته سوزان بصمتٍ مثقل بالإيمان والفقد.

 

هكذا تحاول العائلات أن تحمي ما تبقّى من الذكريات. وهكذا، أيضاً، وجدت عائلات كيفون نفسها أمام فاجعة لا تُحتمل، تعيشها بين وجعٍ صامت ودموعٍ لا تنتهي وفقدٍ يتجاوز الكلمات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق