نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دينا الحسيني تكتب: "مصر والإمارات".. وصية "زايد" التي لم تغب عنها الشمس - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 10:00 مساءً
في تاريخ الأمم، لا تُقاس اللحظات الفارقة بعدد السنوات، بل بوزن المواقف التي تكشف عن أصالة المعادن. وإذا تصفحنا سجل العلاقات العربية، سنجد فصلًا استثنائيًا كُتب بحبر الوفاء، بطله الرباط المتين بين مصر والإمارات العربية المتحدة؛ تلك العلاقة التي تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، لتتحول إلى نموذج حي لوصية خالدة تركها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حين رأى في مصر "عمود الخيمة العربية"، وأوصى أبناءه بها خيرًا، إدراكًا منه أن قوة القاهرة هي صمام الأمان للمنطقة بأسرها.
لم تكن العلاقة بين البلدين يومًا مجرد تنسيق سياسي، بل تأسست على قناعة راسخة بأن الأمن القومي لكليهما واحد لا ينفصل. فاستقرار الخليج هو امتداد طبيعي لاستقرار مصر، والعكس صحيح.
وتجسد هذا المفهوم بوضوح في مواقف القيادة السياسية، سواء عبر التأكيد المصري على جاهزية حماية الأشقاء، أو عبر الإيمان الإماراتي بأن "مصر القوية" تمثل خط الدفاع الأول عن المنطقة في مواجهة التحديات.
وخلال حرب أكتوبر 1973، لم تكن كلمات الشيخ زايد مجرد تصريح سياسي، بل إعلانًا صريحًا عن جوهر العلاقة، حين أكد أن "البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي"، كان يرسخ لمبدأ أن المعركة ليست مصرية فقط، بل عربية بامتياز، آنذاك وقفت الإمارات آنذاك في خندق واحد مع مصر، داعمةً سياسيًا واقتصاديًا، ومتحركةً دبلوماسيًا لتأكيد عدالة القضية، في واحدة من أبرز لحظات التضامن العربي.
مع تعقد المشهد في عام 2013، واجهت مصر تحديًا داخليًا غير مسبوق. وهنا ظهر معدن العلاقات الحقيقية، لم تتعامل الإمارات مع ما يحدث باعتباره شأنًا داخليًا، بل كقضية تمس استقرار المنطقة بالكامل، فبادرت بدعم اقتصادي وسياسي واضح، ووقفت في المحافل الدولية مساندةً لإرادة الدولة المصرية، في وقت اتسمت فيه مواقف أخرى بالتردد، كان ذلك الموقف تجسيدًا عمليًا لوحدة المصير، ورسالة واضحة بأن استقرار مصر خط أحمر.
ولم يتوقف الدعم عند حدود السياسة، بل تُرجم إلى مشروعات على الأرض تعكس عمق العلاقة، من مدينة "الشيخ زايد" إلى الاستثمارات الكبرى مثل مشروع "رأس الحكمة"، تتجسد رؤية إماراتية ترى في استقرار مصر الاقتصادي دعامة أساسية لاستقرار الإقليم، وهذه المشروعات لم تكن مجرد استثمارات، بل رسائل ثقة طويلة المدى في الدولة المصرية، وشراكة قائمة على بناء المستقبل لا إدارة الأزمات فقط.
استمرت هذه الرؤية في عهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث تطورت العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة، تشمل تنسيقًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، فلم يتغير المبدأ، بل تعزز: مصر هي ركيزة الاستقرار، والإمارات شريك أساسي في دعم هذا الاستقرار، في معادلة تقوم على الثقة والمصالح المشتركة.
في الأخير: أثبتت التجارب أن وصية الشيخ زايد لم تكن كلمات عابرة، بل التزامًا مستمرًا تُرجمه المواقف، فالعلاقة بين مصر والإمارات لم تُبنَ على ردود أفعال مؤقتة، بل على مسار طويل من الدعم المتبادل والثقة الراسخة.
وفي زمن تتبدل فيه التحالفات، تبقى هذه العلاقة نموذجًا نادرًا لما يمكن أن تكون عليه الشراكات الحقيقية. علاقة تؤكد أن الأخوة لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بثقل المواقف، ولهذا، ستظل "وصية زايد" حاضرة، لا تغيب عنها الشمس، لأنها ببساطة لم تُحفظ في الذاكرة فقط، بل كُتبت في سجل الأفعال.


















0 تعليق