نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
زلزال هرمز وقبضة كاراكاس - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 11:29 صباحاً
محمود الخراط
بحلول ربيع 2026 لم يعد العالم كما كان. في 28 شباط\فبراير إنطلقت انطلقت شرارة أوسع مواجهةٍ عسكرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ مائي، بل تحول إلى "زلزالٍ جيوسياسي" ضرب عصب الاقتصاد العالمي، ممتداً من مياه الخليج الدافئة إلى مراكز الاحتجاز الفيدرالية في نيويورك. إنها معركة "الأمعاء الخاوية" للطاقة، حيث تتقاطع مصائر الدول بين ألغام إيرانية في الشرق وحقول نفط منهوبة سياسياً في الغرب اللاتيني.
أولاً: هرمز... "عنق الزجاجة" الذي انكسر
لطالما كان مضيق هرمز أداة تهديدٍ إيرانية، لكنه اليوم واقعاً مريراً. يبلغ طول المضيق 167 كم ويضيق عرضه حتى 33 كم عند رأس مسندم. قبل الأزمة، كان يعبره يومياً 20-21 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل 21% من الاستهلاك العالمي. بعد الإعلان الإيراني عن الإغلاق الفعلي رداً على ضربات أميركية-إسرائيلية استهدفت البرنامج النووي، تشير بيانات "بلومبرغ" (29 نيسان\أبريل 2026) إلى فقدان الأسواق المفاجئ لنحو 10 ملايين برميل يومياً. النتيجة: قفز خام برنت من 75 دولاراً إلى ذروةٍ تاريخية عند 126 دولاراً للبرميل في آذار\مارس، قبل أن يستقر فوق حاجز 115 دولاراً بسبب صدمة العرض المستمرة.
ثانياً: فنزويلا... من "الدولة الفاشلة" إلى "طوق النجاة" الأميركي
ينما كانت أسعار الوقود في الولايات المتحدة تهدد الغالون الواحد بالوصول إلى 5 دولارات، أعدت إدارة ترامب "الضربة الكبرى". اعتقال نيكولاس مادورو في كانون الثاني\يناير 2026 ضمن عملية "العزم المطلق". ونقله إلى بروكلين لم يكن مجرد إنفاذ عدالة، بل كان الخطوة الاستراتيجية الأكثر حسماً لتأمين بديل استراتيجي من نفط الخليج. فنزويلا تمتلك أضخم احتياطي نفطي مؤكد في العالم: 303 مليارات برميل. لكن الإنتاج انهار تحت حكم مادورو من 3 ملايين برميل يومياً في التسعينات إلى أقل من 700 ألف. مع سقوط مادورو وتولي ديلسي رودريغيز رئاسة انتقالية تحت الرقابة الأميركية، فُتح حوض أورينوكو أمام شركات مثل شيفرون وإكسون موبيل. الهدف الأميركي واضح: ضخ 40 مليار دولار استثمارات فورية لرفع الإنتاج إلى 2 مليون برميل يومياً بحلول نهاية 2026. هذا النفط لا يحتاج الى المرور بـ"هرمز" أو "باب المندب"، بل يعبر الكاريبي مباشرةً إلى المصافي الأميركية، مما يجعل التهديد الإيراني يفقد 40% من قيمته الابتزازية.
ثالثاً: ميزان الرابحين والخاسرين... لغة الأرقام لا تكذب
تقديرات صندوق النقد الدولي هذا الشهر تشير إلى أن الاقتصاد العالمي سيخسر نحو 3.5 تريليونات دولار من نموه المتوقع بحلول نهاية 2026 إذا استمر الإغلاق.
الولايات المتحدة (الرابح الأكبر): لم تعد بحاجة للمضيق بفضل الاكتفاء الذاتي والسيطرة على نفط فنزويلا. الإغلاق يمنحها "سلاحاً ناعماً" لضرب الاقتصاد الصيني (المنافس الأول) الذي يعتمد على هرمز بنسبة 75%. واشنطن تحول أمن الطاقة من حق طبيعي إلى "منحةٍ أميركية" تُقدم للحلفاء فقط.
روسيا: تبيع برميلها اليوم بأسعار تتجاوز 100 دولار، محققةً فوائض مالية لم تشهدها منذ بداية حرب أوكرانيا.
سلطنة عمان: موانئها مثل "الدقم" (خارج المضيق) شهدت زيادة 400% في حركة مناولة البضائع والنفط، لتصبح الرئة الوحيدة للمنطقة وبديلاً استراتيجياً من "جبل علي".
الجزائر: بفضل موقعها على المتوسط وبُعدها عن منطقة التوتر، تحولت "سوناطراك" إلى القبلة المفضلة لأوروبا المتعطشة للغاز والنفط، مما رفع ثقلها السياسي والاقتصادي.
قناة بنما: مع تعثر الممرات المائية في الشرق، قفزت أهميتها كشريان حيوي لنقل الغاز والنفط الأميركي نحو آسيا وأوروبا، مضاعفةً إيراداتها.
الخاسرون:
الصين، اليابان، كوريا الجنوبية: (تعتمد 75% على هرمز).
دول الخليج "الحبيسة": خسائر يومية تزيد عن 1.2 مليار دولار.
قطر: تعطل 17% من قدرتها التصديرية للغاز المسال، مسببةً أزمة طاقة في أوروبا.
إيران (المتضرر الأكبر): خسرت قدرتها على تصدير أي نفط، انهيار كامل للعملة. إغلاق المضيق كان "خيار شمشون" الذي دمر اقتصادها من الداخل.
رابعاً: المشهد القانوني... سيادة أم بلطجة دولية؟
بالعودة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، نجد أن هرمز يُصنف كـ"مضيق دولي". المادة 38 من الاتفاقية تمنح جميع السفن حق المرور العابر الذي لا يجوز للدولة الساحلية تعليقه أو إعاقته. إيران وقعت لكنها لم تصدق،
وتتذرع بحق "المرور البريء". قانونياً، إغلاق المضيق يُعد "جريمةً اقتصادية ضد الإنسانية". عُمان، الشريك في المضيق، تلتزم الصمت الرسمي مع ديبلوماسية نشطة في الخلف.
خامساً: نحو أفق مسدود أم انفراجة فنزويلية؟
بينما يقبع مادورو في زنزانته في نيويورك وتستمر إيران في مناورة ألغامها، يبقى الاقتصاد العالمي معلقاً بخيط رفيع. الولايات المتحدة اليوم هي الدولة الوحيدة التي تملك مفتاحين: مفتاح السيطرة على النفط اللاتيني، ومفتاح الحصار البحري في الخليج. القوة في 2026 لم تعد بعدد الرؤوس النووية، بل بالقدرة على التحكم بمسارات تدفق البراميل. إذا استطاعت فنزويلا "الجديدة" رفع إنتاجها 500 ألف برميل إضافية كل ثلاثة أشهر، فإن سلاح إغلاق هرمز سيتحول تدريجاً من قنبلةٍ موقوتة إلى طلقة خلبية تصيب صاحبها فقط. في النهاية، قد يكتب النفط الفنزويلي شهادة وفاة "الابتزاز بمضيق هرمز" الى الأبد.








0 تعليق