نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لا دولة مع السلاح: معضلة السيادة اللبنانية بين الدولة و الدويلة - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 09:57 صباحاً
انطوني ابي عبد الله
تعلمت الأجيال بألا أمل في قيام الدولة في ظلّ تواجد سلاح خارج نطاق سلطتها، فتجربة الحرب اللبنانية خير مثال على محطة غابت فيها الدولة و المؤسسات على حساب السلاح في استثناء بسيط لمنطقة المدفون-كفرشيما حيث تواجدت المقاومة اللبنانية و سلاحها لدعم مفهوم الدولة و المؤسسات في المناطق المحررة و سرعان ما سلمت الجبهة اللبنانية سلاحها أمام أوّل منعطف ظهر فيه مشروع الدولة أمرًا قائمًا. لكن حتى اليوم معادلة الدولة تخفت تدريجيًا لصالح السلاح و تحديدًا حزب الله فتارةً ترى سلطة الدولة و القانون و طورًا ترى غيابًا تامًا لمنطق القانون في الضاحية، تارةً ترى الجباية و الضرائب في جبيل و طورًا ترى التهرّب الضريبي في بنت جبيل، بحيث أمست الدولة خيارًا للمناطق اما تتمسك بها و اما تلقيها و في حالة حزب الله تلقيها لتعود و تحاول التمامها عند أول حرب عبثية تخوضها لتعيد لك بناء ما سببت بدماره من نفس الضرائب التي تهربت منها لعقود.
مما لا شك فيه أن لبنان لا يمكنه اعادة محاولة التعايش مع الدويلة و معاشرة السلاح الغير الشرعي، سنوات من سلاح المنظمات الفلسطينية و ٢٩ عامًا من هيمنة قوات الردع و نظام الوصاية و ٢١ عامًا من سطوة السلاح الايراني أمست كفيلة لتعلمنا أن ٦٠ عامًا كانت كافيةً لنعي أن الدولة لن تستطيع التعايش مع سلاح خارج سلطتها فلا يمكن المجازفة بتجربة أخرى تهدر لنا ٦٠ عامًا آخر لملاقات المصير عينه، و مما لا شك أكثر أن لا حزب الله دون سلاح فإذًا لا دولة مع وجود حزب لله، قد يرى البعض هذه المعادلة مبالغ بها أو الغائيّة لكن تجربة الأعوام المنصرمة لم تأكد سوى ذلك، فالمقاومة الإسلامية اليوم ليست سوى مخلب من مخالب الأخطبوط الإيراني لا تتحرك إلا بإمرته و حركتها محدودة بأهواء إيران و مخططاتها. فمنذ نشأة حزب الله في العام ١٩٨٣ وبعد الإعلان عنه في الرسالة المفتوحة عام ١٩٨٥ لم تفرق البندقية كفّيه و الأجدى أنه لم يولد سوى لحملها حيث رسخت الثورة الإسلامية السلاح في ثنايا ايديولوجية المقاومة الإسلامية و بين صفحات كتبها و عقيدتها حتى أمسى السلاح أمانة من الإمام المهدي و هدية من لله و المحافظة عليه واجب ديني-عقائدي و ضرورة حتمية و لو على حساب الأرواح.
و الآن و بعد حربين عبثيتين افتعلهما حزب الله الأولى نصرةً لغزة و الثانية نصرةً لايران و ثأرًا لمرشدها خامنئي، أدرك اللبنانيون بمعظمهم بأنه لا يمكن التماشي و معايشة السلاح بعد اليوم و لكن و بناءً على مقولة "عرفت شيئًا و غابت عنك أشياء" تدور بين أذهن اللبنانيين فكرة عودة حزب الله للسياسة فقط و الإكتفاء بالمقاومة السياسية بالسبل الديبلوماسية و الديمقراطية، و لكن قد غفل الكثير بأن حزب الله و السلم لا يلتقيان و غاب أيضًا عن أذهن الكثير أن حزب الله لم يرد أساسًا الدخول في المعترك السياسي يومًا بل على العكس تمامًا فلو لم يشعر حزب الله بضرورة تأمين غطاء لسلاحه لما دخل الندوة البرلمانية في ال٢٠٠٠ و لما دخل مؤسسات الدولة لاحقًا لتأمين غطاء سياسي لحالته العسكرية بل الأكيد أنه كان ليفضل البقاء على خطوط المعارك عوض الإعتراك داخل قبّة البرلمان أي ببساطة كان ليفضل البقاء في دويلته بعيدًا عن منطق الدولة.
بالمختصر ان قيام الدولة مقتصر و مشروط بإنهاء حزب الله و الإنتهاء منه لا يعني الإنتهاء من الشيعة فنحن على يقين بأن الحزب يمثل شريحة كبيرة داخل البيئة الشيعية و نحن على أدرى يقين أن انهاءه دون وضع أي خطة لملئ مكانه يؤدي الى فراغ كبير داخل البنية الشيعية و الفراغ قد يولد عوامل لملئه و غالبًا ما تكون هذه العوامل مفعمة بالتشنجات و مليئة بالعنف. صحيح أنه علينا الإنتهاء من وضعية حزب الله لكن علينا أيضًا و بالتوازي تأمين بديل عنه و تهيئة البيئة الشيعية لمرحلة ما بعد المقاومة الاسلامية. على جميع القوى السيادية اليوم المبادرة بالضغط اقليميًا و دوليًا لإنهاء حالة حزب الله الخارجة عن القانون و تهيئة البيئة الشيعية لمرحلة ما بعد المقاومة كي تستوعب بيئته بأن استئصال هذا الورم الخبيث ليس سوى لمصلحتها و لمصلحة اللبنانيين كافة كي يتوقف عن الفتك بها قبل غيرها و ليتوقف عن تدمير قرانا مرة أخرى و ليتوقف شبابنا عن الموت بحروب غير لبنانية و لكي ننعم بالأمن و الإستقرار و الإزدهار لمرة واحدة و أخيرة.
المطلوب اليوم هو الكثير، أولًا وعي داخلي من البيئة الشيعية أن لا اعمار أو دولة أو مؤسسات مع وضعية حزب الله الحالية، ثانيًا مبادرة داخلية لاحتضان البيئة الشيعية و تهيئاتها لمرحلة ما بعد الحرب و ما بعد حزب الله و سلاحه، ثالثًا دعم اقليمي و دولي تحديدًا تحت مظلة الأمم المتحدة دعمًا للدولة و الجيش ليُحصر سلاح الحزب جنوب الليطاني و شماله و في كافة ال١٠٤٥٢ كم.
و بدون توافر هذه الشروط مجتمعةً فأي محاولة لحصر السلاح تكون عقيمة من نسج الخيال.
إذًا في النهاية نعود لنخلص بناءً على ما ورد بين هذه السطور لا أمل لقيام أي دولة في ظل السلاح، و لا ذريعة لوجود حزب الله دون سلاحه فإذًا لا دولة فعلية من الممكن أن تقوم معه فمتى ستعي الدولة ذلك و تحضر نفسها لمرحلة ما بعد حزب الله؟










0 تعليق