نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إلى الصديق هاني شاكر - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 11:19 صباحاً
شاهر النهاري
عذراً، فلم ألتقِ بك يوماً، ولم أجلس معك في مقهى، ولم تصافح يدي يدك على مسرحٍ أو خلف كواليس حفلة.
ومع ذلك تظل صديقاً، ولعلي أذكرك بأن بيننا صداقة قديمة تمتد لعقود، صداقة صنعها الهوى والصوت والندية، والذكريات والزمن الجميل.
تعرفتُ إليك أول مرة ونحن في سن المراهقة، في تلك السنوات التي كانت فيها الأحلام أكبر من أعمارنا، وكان الفن فيها نافذةً واسعة نطلّ منها على العالم.
يومها ظهر شاب مبتسم، أنيق الحضور، يقف على المسرح بثقة غير مألوفة، ويغني: "كده برضه يا قمر"، و"سيبوني أحب".

لم يكن مجرد صوت جميل، بل كان مزيجاً من الشباب والأناقة والجرأة الفنية وسط أساطين فن يصعب البروز بينهم.
شعرنا يومها أن جيلاً جديداً يطل من نافذة الطرب العربي.
كنا نعيش مرحلةً فنية خاصة. زمن ما بعد الهيبز، وزمن الموضة التي تشبه الشارلستون في خفتها ومرحها، وزمن الشباب الذي كان يبحث عن صدى صوته الخاص.
وفي تلك اللحظة تحديداً، بدا لنا أنك تمثل هذا الجيل.
لم تكن تقليداً لأحد، وتحاول عدم التمرد على أرضٍ بناها عمالقة سبقوك.
كان أمامك جبلٌ اسمه عبد الحليم حافظ، وكانت هناك قمم شامخة مثل أم كلثوم وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة.
تلك الأسماء المرعبة للقادم الجديد، ومدارس تحترم في الغناء.
لذلك لم يكن من السهل على فنان شاب أن يشق طريقه من دون أن يصطدم بعقبات هذه العظمة الراسخة.
لكنك كنت ذكياً بما يكفي لتبحث عن طريقٍ جانبي، طريق يحمل روح شباب ذلك الزمن لا نسخةً منه.
وفي سنواتك الأولى، كنت واضحاً، واخترت ألحاناً رومانسية، وأغنيات تمس القلب مباشرة، بصوت يحوي الرقة والشباب ودفء العاطفة.
كنا نسمعك فنشعر أن هناك من يغني باسم جيلنا، الذي كان يعيش أول تجاربه مع الحب والحياة.
لكن الطريق الفني لم يكن مستقيماً دائماً.
فمررت بمراحل وتحولات، ومحاولات اقتراب مما سُمّيت آنذاك "الأغنية الشبابية".
كان ذلك زمناً مختلفاً تغيرت فيه الأذواق بسرعة، وربما لم يكن هذا المسار هو الأقرب إلى روحك الفنية.
لذلك ظهر بعض أعمالك أقل صفاء مما وعدنا به حضور بداياتك.
ومع ذلك، فإن الفنان الحقيقي يعرف دائماً كيف يعود إلى ذاته، عبر الدراسة الأكاديمية والتدريس. وبعد رحيل عبد الحليم حافظ، بدا كأنك أدركت أن قوتك الحقيقية تكمن في المدرسة الطربية الأصيلة التي نشأت عليها.
فعدت إلى الجذور، إلى أغنية الأصالة، على اللحن العميق والكلمة الجميلة والأداء الصادق.
وفي تلك المرحلة، اكتشفنا وجهاً آخر من وجوهك. صرت تغني التراث، وتبدع في تقديم أغنيات الفنانين الكبار بروحٍ جديدة.
لم تكن تقلدهم، بل كنت تمنح أغنياتهم حياة أخرى. وكأن صوتك يقف بين الماضي والحاضر، بشخصيةٍ تتبع الاحترام فنياً وعائلياً، ما منحك أنفاساً بعيدة عن الشطط.
وكانت ذروة أغنياتك لمطربين سبقوك – في رأيي – عندما أديت "من غير ليه"، جوهرة الإبداع، التي أهداها إليك موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.
يومها شعرنا بأن التحفة خُلقت لصوتك تحديداً، فأديتها بإحساس عالٍ، وحضور يجعل المستمع يعيش كل كلمة وكل نغمة وكأنها تُولد في حضن لحظتك.
صدقني، يا فنان أن ذكراك عندنا أجمل من مجرد أغنيات، تتجلى فيها صورتك الإنسانية.
طوال سنواتك الطويلة في الفن، لم نسمع أنك دخلت خصومةً جارحة مع أحد، ولم نسمع أنك أسأت إلى زميل أو حاولت أن تعطل طريق غيرك.
بقيت محافظاً على صورة الفنان الهادئ، المهذب، الذي يترك فنه يتحدث عنه.
ولهذا، حين سمعنا أخيراً خبر مرضك ودخولك المستشفى، شعرنا بشيء من الحزن يشبه حزننا على ضمور بعض ذاكرتنا.
ليس لأنك مجرد مطرب نحبه، بل لأنك صفحة من صفحات حياتنا نحن أيضاً.
صوتك رافق سنوات شبابنا، وأغنياتك كانت تعيش معنا في لحظات الفرح والحنين.
يا هاني، ربما لم ترَني يوماً، ومؤكد أنك لن تقرأ هذه الكلمات بعد رحيلك الحزين، لكنني أكتبها باعتباري واحداً من جيلٍ مررتَ به ومرَّ بك.
جيلٍ رأى فيك فناناً صادقاً، قريبا، وصوتاً جميلاً، ووجهاً فنياً نقيّاً، رحمك الله.









0 تعليق