الحرب الباردة الرقمية وتحوّلات الصراع بين الدول - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحرب الباردة الرقمية وتحوّلات الصراع بين الدول - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 08:06 صباحاً

في إحدى المفارقات اللافتة في عالم اليوم، قد تتعرض دولة لهجوم واسع النطاق من دون أن يسمع مواطنوها دويّ انفجار واحد، ومن دون أن تتحرك دبابة واحدة عبر حدودها. قد يبدأ الأمر برسالة بريد إلكتروني خادعة، أو مقطع فيديو مُفبرك، أو خلل مفاجئ في شبكة حيوية. هذا النمط من الصراعات هو ما بات يُعرف اليوم بالحرب الباردة الرقمية.

 

في هذا النمط من الصراع، لا تُعلن الحروب رسمياً، ولا تُرسم خطوط تماس واضحة، ومع ذلك تستمر العمليات بشكل يومي. الهجمات السيبرانية، وعمليات الاختراق، وحملات التضليل، أصبحت أدوات روتينية تستخدمها الدول لتحقيق مكاسب استراتيجية من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. والنتيجة هي حالة من الاشتباك الدائم، تُدار في الظل، لكنها تترك آثاراً ملموسة على الاقتصاد والسياسة والأمن.

 

ولا يقتصر هذا المشهد على التحليل النظري، بل تؤكده حوادث موثقة ومتكررة في الواقع الدولي. ولعل ما يجري بين الولايات المتحدة والصين يُعد مثالاً واضحاً على هذا النمط من الصراع، إذ كشفت تقارير أمنية خلال الأعوام الأخيرة عن هجمات إلكترونية استهدفت مؤسساتٍ حكومية وشركات وبنى تحتية حساسة في الولايات المتحدة، ونُسبت إلى جهات مرتبطة بالصين، مستغلة ثغرات في برمجيات واسعة الاستخدام.

 

وفي المقابل، تتهم الصين الولايات المتحدة بتنفيذ عمليات تجسس إلكتروني على شبكاتها، بما في ذلك اختراقات تستهدف بيانات استراتيجية وبنى تحتية حيوية. غير أن هذا المثال لا يمثل حالة منفردة، بل يندرج ضمن سلسلةٍ واسعة من الحوادث المشابهة التي طاولت دولًا متعددة، وشملت هجمات على شبكات الطاقة، واختراقات لأنظمة حكومية، وحملات تضليل رقمي مرتبطة بأزمات سياسية، ما يعكس اتساع هذا الصراع وتكراره عبر أكثر من ساحة.

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي

 

اللافت أن طبيعة الأهداف نفسها تغيّرت. لم يعد التركيز منصباً على البنية التحتية أو الأنظمة الحكومية فحسب، بل امتد ليشمل المجال الإدراكي.

فالتأثير في الرأي العام، وزعزعة الثقة بالمؤسسات، والتلاعب بالمعلومات، باتت عناصر مركزية في هذا الصراع. ومع تطور تقنيات مثل التزييف العميق، أصبح من الممكن إنتاج محتوى يصعب تمييزه عن الحقيقة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق حالة عدم اليقين.

 

يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في هذه المعادلة، بحيث يسرّع من وتيرة الصراع ويزيد من حدّته. فهو يتيح تنفيذ هجماتٍ أكثر دقة وقابلية للتكيف، وفي الوقت نفسه يعزز قدرات الدفاع عبر تحليل البيانات والتنبؤ بالتهديدات.

 

هذا التوازن المتحرك بين الهجوم والدفاع يجعل من الفضاء الرقمي بيئةً شديدة السيولة، يصعب فيها تثبيت قواعد اشتباك مستقرة.

بالتوازي مع ذلك، يتجه العالم نحو نوع من الانقسام الرقمي، بحيث تسعى كل مجموعة من الدول إلى بناء منظومتها التكنولوجية الخاصة، بمعاييرها وقواعدها. هذا التوجه لا يعكس تنافساً تقنياً فحسب، بل يحمل في طياته أبعاداً سياسية واقتصادية عميقة، ويعزز من منطق الكتل، ولكن في فضاء مختلف عن ذلك الذي عرفه العالم خلال الحرب الباردة التقليدية.

 

ما يزيد من حساسية هذا الصراع هو صعوبة تحديد المسؤولية بشكل قاطع. فالهجمات غالباً ما تُنفذ عبر طبقاتٍ معقدة من التمويه، ما يجعل الرد عليها محفوفاً بالمخاطر. وفي غياب قواعد دولية واضحة، يصبح احتمال سوء التقدير قائماً، وهو ما قد يدفع نحو تصعيدٍ غير محسوب.

 

لا تبدو الحرب الباردة الرقمية مجرد استعارة، بقدر ما تعكس واقعاً يتبلور تدريجاً في العلاقات الدولية. إنها نمط من الصراع يتجاوز الجبهات التقليدية، يعمل بصمت، لكنه يمتد في كل اتجاه، ويستمر من دون سقف زمني واضح.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق