صندوق اليمن الأسود.. شهادات من داخل معتقلات سرية تلتهم جنود الإغاثة - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صندوق اليمن الأسود.. شهادات من داخل معتقلات سرية تلتهم جنود الإغاثة - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 02:12 مساءً

داخل اليمن، في قلب الزنازين الرطبة التي لا تدخلها الشمس، حيث يختلط أنين المعتقلين بصدى الجدران الصامتة، يكتب اليمن فصلاً هو الأقسى في تاريخه المعاصر، حيث لم تعد الصواريخ وحدها هي ما تقتل، بل  القلم الذي يرصد الجوع واليد التي تمتد بالرغيف تهمة تقود صاحبها إلى غياهب السجون المجهولة. 

في مطلع عام 2026، تحول "جنود الإنسانية" من منقذين إلى رهائن في صراع لا يرحم، حيث شنت جماعة الحوثي في صنعاء أشرس حملة اعتقالات استهدفت موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، محولة العمل الإغاثي إلى جريمة تجسس مفبركة، مما جعل المجاعة في اليمن تنتقل من مرحلة التهديد الوشيك إلى واقع دموي ينهش الملايين خلف الأبواب الموصدة التي غادرها المراقبون الدوليون مرغمين تحت وطأة الترهيب.

العزلة الممنهجة وتحول المساعدات إلى سلاح سياسي

بدأت مأساة "جنود الإنسانية" في اليمن تأخذ منحنى دراماتيكياً حين استيقظ موظفو الإغاثة على وقع مداهمات ليلية استهدفت منازلهم ومكاتبهم، حيث وثقت تقارير الأمم المتحدة الصادرة في يناير 2026 احتجاز أكثر من 120 موظفاً دون توجيه تهم رسمية أو السماح بالوصول القانوني، من خلال حملة اعتقالات استهدفت العقول المدبرة لعمليات الرصد والتحقق، أولئك الذين يملكون الأرقام الحقيقية حول حجم الكارثة.

ومن خلال تغييب هؤلاء الشهود، تمكنت القوى المسيطرة من فرض تعتيم كامل على المناطق المتضررة، مما أدى إلى تفاقم المجاعة في اليمن بشكل غير مسبوق نتيجة لغياب الرقابة المستقلة على توزيع الغذاء. الشهادات المسربة من خلف القضبان تتحدث عن ضغوط هائلة مورست على المعتقلين للاعتراف بأدوار استخباراتية وهمية، بينما كان ذنبهم الوحيد هو محاولة إيصال الحقيقة إلى مراكز القرار الدولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح تهالك جسدها من سوء التغذية الحاد.

شلل الميدان وضياع بوصلة الاستجابة الإنسانية العاجلة

أحدثت هذه الموجة من القمع في اليمن شللاً تاماً في مفاصل العمل الميداني، حيث اضطر برنامج الأغذية العالمي ومنظمة اليونيسف إلى تعليق أنشطتهما في مناطق واسعة نتيجة انعدام الضمانات الأمنية لطواقمهم.

هذا الانسحاب القسري لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان بمثابة قطع لشرايين الحياة عن قرى نائية كانت تعتمد كلياً على السلال الغذائية الشهرية. وفي ظل غياب الموظفين الذين كانوا يفرزون الحالات الأكثر احتياجاً، بدأت المعونات تتسرب إلى جيوب المستفيدين من الصراع، مما أدى إلى انفجار معدلات سوء التغذية بين الأطفال والنساء، حيث باتت المجاعة في اليمن اليوم تتغذى على غياب المعلومة الموثقة.

و تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة الوفيات المرتبطة بنقص الغذاء ارتفعت بمعدل مخيف في المناطق التي تم فيها اعتقال الكوادر الطبية والإغاثية، وهو ما يؤكد أن استهداف هؤلاء الموظفين هو استهداف مباشر لحق الشعب اليمني في البقاء على قيد الحياة.

الخناق المالي وانهيار المنظومة الرقابية الدولية

لم يكتفِ القمع بالاعتقالات الجسدية، بل امتد ليشمل حصاراً تقنياً ومالياً على المنظمات، حيث فرضت سلطات الأمر الواقع قيوداً مشددة على تحركات الموظفين المحليين ومنعتهم من استخدام أجهزة الرصد الجغرافي. 

هذا التضييق أدى إلى فقدان المانحين الدوليين للثقة في آليات التوزيع، مما دفع دولاً كبرى إلى تجميد تمويلاتها المخصصة لليمن حتى يتم الإفراج عن المعتقلين وضمان استقلالية العمل الإغاثي، والنتيجة كانت كارثية بكل المقاييس؛ فبدلاً من وصول الغذاء إلى الجائعين، تحولت المخازن إلى عهدة أمنية، وازدادت حدة المجاعة في اليمن في ظل صمت دولي عاجز عن كسر هذا الحصار. التقارير الاقتصادية الصادرة عن البنك الدولي تشير إلى أن تراجع العمل الإنساني أدى إلى انكماش في القدرة الشرائية للمواطنين، مما دفع الطبقات الوسطى إلى حافة الفقر المدقع، لينضموا إلى ملايين المطالبين بالخبز في بلد بات فيه الجوع هو الحاكم الفعلي والوحيد.

هندسة التجويع وتفكيك الضمانات الحقوقية المتبقية

في الغرف المظلمة التي يُحتجز فيها هؤلاء الموظفون، يتم تفكيك ما تبقى من كرامة إنسانية عبر محاكمات صورية تفتقر لأدنى معايير العدالة، حيث يتم استخدام "الاعترافات القسرية" لتبرير طرد المنظمات المتبقية وتأميم العمل الإغاثي، وهذا التوجه الخطير يهدف إلى جعل المساعدات أداة للولاء السياسي، حيث لا يحصل على الطعام إلا من يبدي الطاعة التامة، مما يعمق من مأساة المجاعة في اليمن ويحولها من أزمة إنسانية إلى استراتيجية عسكرية للسيطرة والتركيع.

أما المنظمات الحقوقية الدولية مثل "هيومن رايتس ووتش" فقد حذرت من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى كارثة ديموجرافية لا يمكن تداركها، حيث بدأت أجيال كاملة تعاني من تقزم بدني وذهني نتيجة نقص البروتينات الأساسية، وهي جريمة صامتة تُرتكب تحت غطاء ملاحقة الجواسيس المزعومين، بينما الجاسوس الحقيقي هو الموت الذي يتسلل إلى بيوت اليمنيين كل ليلة.

نهاية الطريق والمسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي

ما يحدث في اليمن مطلع عام 2026 بمثابة اختبار أخلاقي للعالم أجمع؛ فهل سيسمح المجتمع الدولي باستمرار احتجاز من وهبوا حياتهم لخدمة الآخرين؟

إن الإفراج عن "جنود الإنسانية" في اليمن  ضرورة حتمية لفتح ممرات آمنة للغذاء والدواء قبل أن تلتهم المجاعة في اليمن ما تبقى من ملامح الحياة في هذا البلد المنكوب. الصمت الدولي المطبق حيال مصير المعتقلين يمنح الجلادين ضوءاً أخضر للاستمرار في قمعهم، وهو ما يضع الأمم المتحدة أمام مسؤولية تاريخية لاستخدام كافة أوراق الضغط السياسية والاقتصادية لضمان سلامة طواقمها. إن صرخات الجوعى في مخيمات النازحين وتوسلات أهالي المعتقلين خلف الجدران هي نداء واحد يطالب بالعدالة والحياة، فاليمن لم يعد يحتمل المزيد من الزنازين، والبطون الخاوية في اليمن والتي لم تعد تملك ترف الانتظار لمفاوضات لا تنتهي بينما يفتك بها الجوع يوماً بعد يوم.


من هي سلطات الأمر الواقع؟

يُقصد بـ "سلطات الأمر الواقع" (De Facto Authorities) في الجغرافيا اليمنية الحالية جماعة الحوثيين (المعروفة رسمياً باسم أنصار الله)، وهو مصطلح قانوني دولي يُطلق على الجماعة التي تفرض سيطرتها الميدانية الشاملة على إقليم معين وتدير مؤسسات الدولة فيه (القضاء، الأمن، البنك المركزي، والموانئ) دون أن تحصل على اعتراف دولي رسمي كحكومة شرعية (De Jure).

تتخذ هذه السلطات من صنعاء عاصمة إدارية ومركزاً لقيادة عملياتها، وتمتد سيطرتها لتشمل معظم محافظات المرتفعات الشمالية والوسطى ومدينة الحديدة الاستراتيجية على البحر الأحمر. وبموجب هذه السيطرة، يتحكم الحوثيون في حياة أكثر من 70% من سكان اليمن، مما يجعل تعامل المنظمات الدولية معهم أمراً حتمياً لتقديم المساعدات، رغم غياب الاعتراف الدبلوماسي الرسمي.

 

الجهاز الأمني و"مربع الاعتقالات"

تُدير سلطات الأمر الواقع جهازاً أمنياً استخباراتياً معقداً يُعرف بـ "جهاز الأمن والمخابرات"، وهو الكيان المسؤول عن موجة الاعتقالات التي استهدفت موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في مطلع 2026، حيث تعمل هذه الأجهزة وفق عقيدة أمنية تعتبر أي نشاط ميداني لجمع البيانات (سواء كان عن سوء التغذية أو الاحتياجات الإنسانية) بمثابة "نشاط استخباري" يخدم القوى الخارجية، وهو ما أدى إلى تجميد رصد حالات المجاعة في اليمن.

  "سكمشا" ذراع التحكم في المساعدات

لإحكام القبضة على العمل الإنساني، أسست هذه السلطات المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي (SCMCHA). زهذا المجلس هو الجهة الوحيدة المخولة بمنح تصاريح الحركة للمنظمات الدولية. ويرى الخبراء الدوليون أن هذا الكيان هو المحرك الرئيسي لعملية "تسييس المساعدات"، حيث يفرض قيوداً صارمة على الميزانيات وقوائم المستفيدين، مما ساهم في تفاقم المجاعة في اليمن نتيجة تعطل وصول المعونات إلى المناطق غير الموالية سياسياً.

ومع بداية عام 2026، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر، شدد المجتمع الدولي من لهجته تجاه سلطات الأمر الواقع في صنعاء، وبينما يتم التعامل معهم كـ "طرف نزاع" في المفاوضات السياسية، تضعهم التقارير الحقوقية تحت طائلة المسؤولية القانونية الكاملة عن حماية المدنيين والموظفين الدوليين بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يُلزم أي سلطة مسيطرة بضمان سلامة العمليات الإغاثية ومنع تفشي المجاعة في اليمن.
 

----
مصادر  التقرير 
- تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) 
- تصنيف مرحلة الأمن الغذائي المتكامل (IPC) - الإصدار الأول لعام 2026: 
- منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) - التقرير السنوي 2026.
- البنك الدولي - تقرير الآفاق الاقتصادية لليمن (يناير 2026).
- وكالة رويترز (Reuters)
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق