عضّ الأصابع قبل الانفجار الكبير.. الشرق الأوسط على حافة القرار الخطأ - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عضّ الأصابع قبل الانفجار الكبير.. الشرق الأوسط على حافة القرار الخطأ - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 08:23 مساءً

تعيش منطقة الشرق الأوسط، ومعها أطراف متداخلة من الإقليم والنظام الدولي، لحظةً فارقةً يمكن توصيفها بدقة بأنها مرحلة عضّ الأصابع، تلك المرحلة التي لا تكون فيها الحرب قد اندلعت بعد، ولا يكون السلام خيارًا واقعيًا، بل يصبح الصبر نفسه أداة صراع، وتتحول القدرة على التحمّل إلى سلاحٍ استراتيجي لا يقل فتكًا عن الصواريخ والطائرات المسيّرة، في هذه اللحظة الرمادية، لا تُقاس القوة بعدد الجيوش فقط، بل بمدى الاستعداد لتحمّل الألم دون أن تصدر الصرخة الأولى.

المنطقة اليوم ليست على شفا الحرب فحسب، بل داخل مسارٍ تراكميٍّ يقود إليها خطوةً بعد أخرى، حيث تتشابك الحسابات الخاطئة، وتتصاعد الرسائل غير المباشرة، وتُختبر الخطوط الحمراء مرارًا، إلى أن تفقد معناها، أو تتحول إلى شرارة اشتعال شامل. السؤال المركزي لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل: من سيفقد أعصابه أولًا؟ ومن سيعلن عجزه عن الاستمرار في هذا الاختبار القاسي؟

سياسة الصبر المؤلم: حين يصبح الانتظار أداة قتال

تعتمد الأطراف المتصارعة في الإقليم، سواء كانت دولًا أو فواعل من غير الدول، على ما يمكن تسميته بـ"سياسة الصبر المؤلم"، حيث يتم دفع الخصم إلى أقصى حدود الاحتمال عبر استنزاف متدرّج، محسوب، ومتعمّد.ضربات لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة، رسائل نارية مغلّفة بالإنكار، عمليات نوعية بلا تبنٍّ مباشر، وتصريحات سياسية متناقضة تترك باب التأويل مفتوحًا على مصراعيه.

في هذا السياق، لا يسعى أي طرف إلى تحقيق نصرٍ سريع، بل إلى كسر الإرادة النفسية للخصم، ودفعه إلى اتخاذ القرار الخطأ، القرار الذي يبدو في لحظته دفاعيًا، لكنه في حقيقته إعلان دخول الحرب. هنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة، لأن الطرف الذي يصرخ أولًا لا يكون بالضرورة الأضعف عسكريًا، بل الأكثر هشاشةً سياسيًا أو داخليًا.

توازن الردع المتآكل: حين تفقد المعادلات صلابتها

لسنوات طويلة، استندت المنطقة إلى معادلات ردع غير مكتوبة، لكنها مفهومة ضمنيًا: هذا يردع ذاك، وذاك يحسب حساب هذا، والجميع يدرك أن كلفة الحرب الشاملة أعلى من أي مكسب محتمل. غير أن هذه المعادلات بدأت تتآكل تدريجيًا، بفعل تغيّر موازين القوى، وتراجع قدرة بعض الدول على الضبط والسيطرة، وصعود فواعل مسلّحة لا تخضع لمنطق الدولة التقليدي.

الأخطر من ذلك أن الردع لم يعد متبادلا بالكامل، فبعض الأطراف بات يعتقد أن خصمه غير قادر على الذهاب إلى النهاية، إما بسبب أزمات داخلية خانقة، أو انقسامات سياسية حادة، أو قيود دولية تمنعه من اتخاذ قرار الحرب. هذا الاعتقاد، سواء كان صحيحًا أو وهميًا، هو الوصفة المثالية لانفجار الصراع.

اللاعبون الكبار…

واليد المرتعشة

لا يمكن فهم مرحلة عضّ الأصابع دون التوقف عند دور القوى الدولية الكبرى، التي تبدو في الظاهر حريصة على منع الانفجار، لكنها في العمق تدير الصراع ببرود محسوب، وتستخدم التوتر كورقة ضغط لتحقيق مكاسب استراتيجية أوسع. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا تريد حربًا شاملة تفجّر المنطقة، لكنها في الوقت ذاته لا تمانع في إبقاء الإقليم في حالة غليان مضبوط يخدم إعادة تشكيل التحالفات، وفرض وقائع أمنية جديدة.

في المقابل، تبدو قوى أخرى كروسيا والصين أكثر ميلًا لترك الغرب يغرق في مستنقع استنزاف طويل، مع الاكتفاء بدور المراقب المستفيد.هذا التوازن الدولي الهش يضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث يصبح القرار الإقليمي مرتهنًا بحسابات عالمية، ويتحوّل الخطأ التكتيكي الصغير إلى أزمة دولية كبرى.

من سيصيح أولًا؟ الداخل قبل الخارج

الصرخة الأولى غالبًا لا تأتي من ساحة المعركة، بل من الداخل.

من اقتصادٍ يترنح، أو شارعٍ يغلي، أو مؤسسةٍ سياسية تفقد السيطرة. التاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ حين تستخدم القيادة الصراع الخارجي للهروب من أزمة داخلية، أو لإعادة ترتيب المشهد السياسي، أو لفرض حالة طوارئ تُسكت الأصوات المعارضة.

في هذا الإطار، تصبح الحرب خيارًا أقل كلفة من الاستمرار في التآكل البطيء. وهنا تكمن المفارقة القاتلة: الطرف الذي يبدو عقلانيًا في الخارج قد يكون متهورًا في الداخل، والعكس صحيح. من يملك القدرة على الصمود داخليًا هو الأقدر على مواصلة عضّ الأصابع دون أن يصرخ.

السيناريو الأخطر: حرب بلا قرار

السيناريو الأكثر ترجيحًا، والأكثر خطورة في آنٍ واحد، هو الانزلاق إلى حرب لم يقرّرها أحد رسميًا، حرب تبدأ بسلسلة من الردود المتبادلة التي تخرج عن السيطرة، حيث يجد الجميع أنفسهم داخل معركة لم يكن أيٌّ منهم يريدها كاملة، لكن لا يستطيع أحد التراجع عنها دون خسارة فادحة في الهيبة والمصداقية.

في مثل هذا السيناريو، لا يكون هناك منتصر حقيقي، بل خسائر متراكمة، وخرائط نفوذ مشوّهة، ودول تخرج من الصراع أضعف مما دخلت، حتى لو ادّعت النصر إعلاميًا.

الصمت سلاح… لكنه ليس بلا نهاية

المنطقة اليوم تمسك بأصابعها بقوة، والأسنان مغروسة، والألم يتصاعد.

الصمت لم يعد دليل حكمة بالضرورة، بل قد يكون مجرد تأجيل للانفجار. السؤال الذي يجب أن يُطرح في مراكز القرار ليس فقط: من سيصيح أولًا؟ بل: هل هناك من يملك شجاعة كسر هذا الاختبار قبل أن يتحول إلى حرب شاملة؟

لأن الحقيقة القاسية تقول إن من سيصيح أولًا قد يشعل الحرب…

لكن من يعتقد أنه قادر على الاستمرار في الصمت إلى ما لا نهاية، قد يكتشف متأخرًا أن الأصابع قد بُترت، وأن الحرب اندلعت دون صرخة.

اقرأ أيضاً
حكايات.. "المستورد"

مجلس السلام.. إجبار أم اختيار؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق