محمود عبد الدايم وجراب الحاوي - جريدة هرم مصر

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
محمود عبد الدايم وجراب الحاوي - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 09:05 صباحاً

 

تبدو بلدنا مثل جراب الحاوي، لا تنفد أعاجيبه، ففي الوقت الذي تشهد فيه البلاد (انفجارًا روائيًا مروعًا)، يخرج علينا القاص الأستاذ محمود عبد الدايم بمجموعته "خرائط الوحدة"، وهي المجموعة الثالثة في مسيرته القصصية التي بدأت قبل سنوات قلائل، بدأها بنشر مجموعته الأولى "خمورجي يروي التاريخ" عن دار أوراق، ثم نشر مجموعته الثانية "ن الفتة" عن دار أفاق، على ذلك فنحن أمام كاتب يرتكب في زمن الرواية فعل القص القصير عن سبق إصرار وتعمد!

تضم مجموعة عبد الدايم الثالثة سبع عشرة قصة، وتقع في تسع وسبعين صفحة من القطع الصغير، ونشرتها (مشكورة) الهيئة العامة لقصور الثقافة، وتباع النسخة بخمسة عشر جنيهًا، وتلك يد للهيئة على القراء نباركها، فقد طلبت نسخة من مجموعة هي في حجم مجموعة عبد الدايم فطلب مني ناشرها مئة وخمسين جنيهًا، بعد تخفيض (المعرفة والصداقة!).

الكاتب أي كاتب هو ليس أكثر من حزمة اختيارات، اختيار مركزي تتبعه اختيارات فرعية تؤكد الاختيار المركزي أو تتناقض معه في مفارقة من مفارقات الكُتّاب وعوالمهم العجيبة.

اختيار محمود عبد الدايم المركزي، وهو أن يعمل لدى (قصته وقصته فقط). العمل هنا بمعنى الخدمة وتقاضي الأجر، اختار هذا الخيار وهو يعلم لا شك في ذلك أنه سيخدم لدى التاريخ المؤجل، ونادرا ما حسم التاريخ مؤجلاته!

كان بمقدوره مغازلة قارئه بمشهد هنا أو غمزة هناك، وساعتها كان سيضمن رضا القارئ الباحث عن دفقة دم طازجة من تخيل مشهد بعينه!

لكنه لم يرتكب أيًا من تلك الحماقات التي تناقض اختياره، فهو مخلص حتى النزف لنصه، لا يقحم عليه جملة واحدة زائدة، ولذا ستجد قصصًا تشغل صفحة واحدة لا تزيد.

منذ القصة الأولى في المجموعة التي تحمل عنوان "كلمات متقاطعة" يقرر الكاتب الانحياز إلى واحد من خياراته الفرعية، وهو أن يكون وفيًا لعنوان مجموعته، ففي القصة تبرز الوحدة بخرائطها الموجعة بل المتوحشة، نحن أمام طفلة مولعة بأبيها، أفتح قوسًا افتراضيًا لأقول: محمود نفسه مولع بأبيه، فهو يهدي له مجموعته ثم صور الأبوة بتعددها منتشرة على طول المجموعة وعرضها.

ولع البنات بآبائهن يقلق علماء النفس، فقد تغالي البنت في التعلق بأبيها فتصنع منه صنمًا تطوف حوله ليل نهار، ثم تكبر فتبحث عن رجل كأبيها وأبدًا لن تجده فتشقى وتتعس لأنها تطلب ما لم يُخلق.

بحمد الله طفلة محمود عبد الدايم سوية، تبحث عن الدفء الطبيعي وليس عن صنم تقيمه في قلبها لتعبده ليل نهار، الأب من ناحيته سوي يعرف حقوق ابنته، تبدأ اللعبة بل تبدأ الحياة بأن تسأل الطفلة أباها: "كلمة من ثلاثة حروف" بعد افتعال التفكير يجيب الأب: "حضن". يسأل الأب هذه المرة: "كلمة من حرفين" تجيب البنت: "حب".

تتواصل اللعبة أو الحياة حتى تكبر البنت وتتزوج وتلد طفلًا، فيموت الأب. هل تسرع محمود في قتل الرجل؟

لا، يا صاحبي، لقد قتله لكي تكتمل خرائط الوحدة.

قرأتُ مرة أن المهجور يشعر كأن ماءً يغلي قد سكب على ذراعه، هذا عن المهجور الذي هجره حبيبه فكيف بمن هجره حبيبه بالموت!

الطفلة التي أصبحت أمًا نامت في حضن حبيبها المسجى وهمست في أذنه: "كلمة من ثلاثة حروف". الميت لا يتكلم فترد هي على سؤالها: "م..و..ت".

نعم إنه الموت الذي هو هجر أبدي ولا أمل في حضن جديد قبل يوم الحساب.

بعد موت الأب تبدأ بذاءة تقاسم الميراث، كيف قست قلوبنا فحولنا آية من آيات الله إلى بذاءة ودمامة وقبح؟

البنت المحبة أعلنت انسحابها من المشهد البذيء بأن طلبت الحب وتركت لهم ما يتصارع عليه الناس عادة، قالت: "ملابس أبي لي، صور أبي لي، أوراق أبي لي، رائحة أبي لي".

هل سيوقف محمود عبد الدايم اللعبة؟

هل بمقدوره إيقاف الحياة؟

سيدخل الكاتب ببراعة وعذوبة الحفيد، ابن الابنة، كانت المهجورة بالموت قد علمت طفلها لعبة الحياة فسألها: "كلمة من ثلاثة أحرف" تجيب: "أبي" يغضب ويجيب: "بل أمي"، يا صغيري لا تغضب فكل يغني أو يبكي على ليلاه.

الكاتب المولع بالأب يقدم نغمات مذهلة على اللحن الرئيس، لحن العمل لدي النص والخدمة عند القصة ثم الأجر والحساب والمكافأة من رب العباد.

يقدم محمود في قصته "شريط لاصق" أبًا جهنميًا، تشفق عليه وتلعنه في آن واحد، هل تلعنه هو أم تلعن مجتمعه، الأب كأي أب بدأ طفلًا لا حول له ولا قوة، سمع أمه تقول: "السكوت من ذهب" كان في الخامسة من عمره عندما سمع الجملة المفخخة، هناك ذهب مقابل السكوت، بريق الذهب يعمي العيون فليس كثيرًا عليه أن يمسك الألسنة، والولد وأن كان في سن البراءة، لكنه ليس بريئًا تمامًا، قلنا هناك ذهب أمام السكوت!

خدع الولد فطرته وأقنعها بأنه إذا سكت صار بارًا بأمه مطيعًا لها (أراهنك أنه كان يحلم بهسهسة الذهب وبريقه) وضع الولد شريطًا لاصقًا أغلق به فمه، ذهب إلى المدرسة فسكت تمامًا، رضى بأن يكون أبلهًا في نظر زملائه، كبر فأحب، والكلام هو المطر الذي يروي زهرة الحب، فماذا سيصنع؟

اختار صامتة مثله ترضى بصمته، كثرت الأشرطة اللاصقة لكي يضمن أمنه وأمانه ورضا أمه، ومن يعلم فقد يأتي الذهب!

عاش مع الصامتة حياة تليق بصامتين كأن الكلام لم يُخلق، مرة واحدة تمردت الصامتة، لقد رأت الصامت يحاول وضع شريط لاصق على فم طفلهما ثمرة السكوت والصمت!

أعود لفتح قوس افتراضي لأقول: سبق لمحمود كتابة قصة عن الأعمى، كيف يرى في أحلامه.

الآن كيف يتكلم الأخرس، لا تقنعني بأنه لن يتكلم، الكلام لذة الكلام شهوة الكلام هو الحياة ففي البدء كانت الكلمة.

تمرد الصامتة قادها إلى الطلاق، واصل هو سكوته وتنازل عن كل شيء وغادر مسكن الزوجية إلى غير رجعة، كانت التي وسوست إليه بذهب السكوت قد ماتت، بقي وحيدًا مشيدًا حصون وقلاع السكوت، مات وحيدًا وما دل جيرانه على موته سوى تعفن جثته!

لقد مات وهو يمسك بجهاز كاسيت كف شريطه عن الدوران.

ذهبوا به إلى مقابر الصدقة فهم لا يعرفون له جذرًا ولا فرعًا، بواب العمارة الذي كان يعبث بمحتويات شقة الساكت الأبدي، متمنيًا الحصول على شيء، وقع على رقم هاتف الطليقة، لم ترد ورد الابن معلنًا بأنه لا يريد معرفة شيء عن ابيه!

ثم ذهب الابن إلى الشقة، وجد مئات من أشرطة الكاسيت (لماذا لم يجد الأشرطة اللاصقة؟).

عكف على الاستماع إليها، كانت تحمل صوت الساكت، لقد تكلم بالطول والعرض والعمق والارتفاع، تكلم أخيرًا عن نفسه وعن أمه وعن عمله، وعن زوجته التي صارت مطلقته، وعن ابنه الذي حرم نفسه منه.

لقد خدعنا محمود عبد الدايم، فالولد الذي رضى بأن يكون أبلهًا لم يكن مطيعًا لأمه فقد تكلم وأسرف في الكلام بل سجل كلامه ليخلده.

وبعدُ فقد تحدثت في صدر كلمتي عن جراب الحاوي الذي أخرج لنا القاص محمود عبد الدايم الذي يصر على الإخلاص للقصة القصيرة في زمن سطوة الرواية وسيولتها وانفجارها، وننتظر منه الكثير والمدهش من الإخلاص.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق