نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تداعيات جيوسياسية... ماذا سيغيّر انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 05:37 مساءً
انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من منظمة الصحة العالمية، رغم تحذيرات استمرت لأكثر من عام من أن هذه الخطوة ستُلحق ضررًا مباشرًا بقطاع الصحة في داخل الولايات المتحدة وعلى المستوى العالمي.
برّرت واشنطن قرارها بما وصفته "إخفاقات" المنظمة التابعة للأمم المتحدة في إدارة جائحة كوفيد-19، معتبرة أن أداءها خلال الأزمة شكّل أحد الدوافع الرئيسية للانسحاب.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن، عبر أمر تنفيذي، أن الولايات المتحدة ستنسحب من منظمة الصحة العالمية في اليوم الأول من ولايته الرئاسية عام 2025، وهو ما حصل بعد ساعات من عودته إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير من ذلك العام.
والمفارقة أن الولايات المتحدة كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى منظمة الصحة العالمية عند تأسيسها عام 1948 ضمن منظومة الأمم المتحدة.
وعلى مدى عقود، كانت واشنطن أكبر مموّل للمنظمة، سواء من خلال مساهماتها الإلزامية أو الطوعية، ما يجعل انسحابها مرشّحًا لإحداث اضطراب واسع في الصحة العامة، محليًا وعالمياً.
يقول مايكل أوسترولم، مدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا، في حديث إلى مجلة "تايم": "إنه أحد أكثر القرارات التي تبدو ان هدفها اقتصادي على المدى القصير، لكنها متهورة وتكلّف مليارات الدولارات على المدى البعيد".
يرى الدكتور جَدّ والسون، رئيس قسم الصحة الدولية في كلية بلومبرغ للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز، أن منظمة الصحة العالمية لا تزال تُبدي انفتاحاً على التعاون مع الولايات المتحدة.
ويقول: "لقد أشارت المنظمة، وبشكل متعمّد جداً برأيي، إلى رغبتها في مواصلة العمل مع الولايات المتحدة. فما زال العلم الأميركي مرفوعاً خارج مبنى المنظمة في جنيف، وهذا ليس خطأً، بل إشارة واضحة إلى الترحيب بإعادة الانخراط".
ما الذي سيتغيّر الآن؟
تشير "تايم" في تقريرها إلى أن من أوائل التداعيات المحتملة على العلماء الأميركيين تراجع مستوى الوصول إلى قواعد بيانات حيوية لرصد الأمراض المعدية، مثل الإنفلونزا، فضلاً عن التهديدات الصحية الناشئة التي قد تؤثر في صحة الأميركيين، كفيروس كوفيد-19.
ورغم أن كثيراً من هذه البيانات متاح للعامة، وسيبقى العلماء الأميركيون قادرين على الوصول إليها، فإنهم قد يفتقدون الفهم التفصيلي لكيفية جمع البيانات الخام ومعالجتها، بحسب والسون، وهو ما قد يؤثر في تفسير المعطيات والحصول على إنذارات مبكرة بشأن تفشيات محتملة لأمراض جديدة وخطيرة.
وتُعدّ قواعد تتبّع سلالات الإنفلونزا حول العالم من أهم هذه البيانات، إذ تشكّل أداة أساسية لتحديد السلالات السائدة سنوياً، وبالتالي تلك التي ينبغي لمصنّعي اللقاحات استهدافها في لقاح الإنفلونزا السنوي.
وتقول الدكتورة جين مارازو، المديرة التنفيذية لجمعية الأمراض المعدية الأميركية والمديرة السابقة للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية: "بالانسحاب، لا نفقد فقط قدرتنا على تقديم البيانات، بل نخسر أيضاً دورنا في الحوار وفهم أسباب تركيب لقاح الإنفلونزا بالطريقة التي يعتمدها كل عام. هذا يسحب منا مقعدنا على الطاولة، وتلك الطاولات هي حيث تُتخذ قرارات الصحة العالمية".
ويصف والسون تأثيرات الانسحاب على الصحة الأميركية والعالمية بأنها "نزف بطيء"، مضيفاً: "لن يستيقظ معظم الأميركيين في اليوم التالي ليقولوا: انظروا ماذا حدث بعد الانسحاب. لكن المشكلة أن هذه التأثيرات ستكون صعبة العكس عندما تتكرّس".
ويشمل ذلك تراجع القدرة على رصد التهديدات الصحية الناشئة، وهو ما قد يتفاقم عند عدم استعداد الولايات المتحدة لها.
ويشدّد أوسترولم على أن الكشف المبكر عنصر حاسم لتفادي التفشيات واسعة النطاق وتقليل معدلات المرض والوفيات، قائلاً: "الكشف المبكر هدية لا تُقدّر بثمن. الأمر يشبه حريق الغابات؛ فرقٌ كبير بين الاستجابة لحريق بمساحة خمسة أفدنة، وآخر يمتد على خمسة آلاف فدان".
تداعيات جيوسياسية
ترى "تايم" أن انسحاب الولايات المتحدة من منظومة الصحة العالمية يحمل تداعيات جيوسياسية بالغة الأهمية. فبينما تُحدَّد سياسات منظمة الصحة العالمية بتوافق الدول الأعضاء، فإن غياب واشنطن يفتح المجال أمام دول أخرى لتعزيز نفوذها، ما قد يؤثر في أولويات الصحة العالمية.
ويقول والسون: "دول مثل الهند، والسعودية، وروسيا، والصين تتحرّك لملء جزء من الفراغ الذي خلّفته الولايات المتحدة، وهذا سينعكس على من يحدّد الأولويات ومن يمتلك النفوذ داخل أروقة المنظمة".
ويحذّر من أن الأضرار الاقتصادية والسياسية الأوسع الناتجة عن إضعاف برامج الصحة العالمية قد تكون أخطر من التأثيرات الفورية على برامج محددة، خصوصاً أن انسحاب أكبر مموّل للمنظمة أجبر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على إعادة النظر في الميزانية وتقليل الاعتماد على المانحين الكبار، وهو مسار قال إنه بدأه قبل قرار الانسحاب.
ويؤكد والسون أن تداعيات تدهور الصحة العالمية لن تقتصر على الدول الفقيرة: "إن تدهور الأنظمة السياسية نتيجة تراجع الصحة العامة ستكون له عواقب مباشرة على صحة الولايات المتحدة نفسها، إذ سيُسهم في زيادة انتشار الأمراض عبر الحدود".
وكان مدير منظمة الصحة العالمية قد حذّر من أن قرار إدارة ترامب الانسحاب من المنظمة "يُعرّض الولايات المتحدة والعالم لمخاطر صحية متزايدة"، معتبراً أن هذه الخطوة لا تجعل واشنطن أكثر أمانًا، بل العكس تماماً.









0 تعليق