نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حلم ترامب بغرينلاند… العرض الذي لا يمكن رفضه - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 22 يناير 2026 06:23 صباحاً
يدمج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سعيه للاستحواذ على غرينلاند، بين لعبتين شهدت نشأته شعبيتهما الكبيرة في أميركا والعالم، "مونوبولي" و"ريسك". الأولى تجارية بحتة يفوز فيها من يحتكر كل العقارات والأموال ويفلس باقي اللاعبين تباعاً، والثانية عسكرية يفوز بها من يقضي على جيوش باقي اللاعبين ويحتل العالم.
وغرينلاند في لعبة "ريسك"، كما في الحقيقة، واضحة الأهمية والحجم معاً. هذه الجزيرة الأكبر في العالم تمتد على مساحة نحو مليونين و166 ألف كيلومتر مربع. فوق الرقعة الثلجية يعيش نحو 58 ألفاً، معظمهم من الإينويت، أحفاد شعوب أميركا الشمالية الأصليين الذين هاجروا إليها قبل نحو 4500 سنة للصيد طبعاً، وربما للاستكشاف الرومانسي المبكر لقدرة الإنسان على التكيف مع أشد الأماكن قسوة في كوكبه الأم والوحيد.
ما يعني ترامب من الجزيرة ليس تاريخها الغني بالطبع، ولا ثقافة سكانها الأصليين الذين يجهدون للحفاظ عليها برموش العيون، ولا حتى ظاهرة الشفق القطبي التي تشهدها سماؤها حين تروح ستائر كونية زرقاء وخضراء وأرجوانية تلوح مشكّلة لوحات حية خلابة لها وقع السحر في نفوس البشر. كما أن ترامب ليس مهتماً باستعادة سكانها الأصليين بصفتهم أميركيين ما قبل التاريخ. هو يريد الأرض للغايتين أعلاه، الاستحواذ على الموارد، والموقع الجغرافي الاستراتيجي. إما يشتريها، كما في "مونوبولي"، وإما يسيطر عليها بالقوة العسكرية، كما في "ريسك".
شرعية مطالبه فيها لا تستند إلى قوانين وأعراف أممية. كما أن سكانها لم يطلبوا منه إنقاذهم من الدانمارك وإعادتهم إلى حضن أميركا، كما كانت حجة فلاديمير بوتين للهجوم على أوكرانيا. فهؤلاء، على قلة عددهم، يريدون استقلالاً كاملاً وناجزاً عن الجميع.
جنود يعبرون شارعاً في نوك، غرينلاند. (أ ف ب)
ترامب، في المقابل، يتطلع إلى غرينلاند بصفتها نزاعاً بين قوتين استعماريتين. وما يحق للمستعمر الأوروبي يحق لغيره إذا كان بقوته، فكيف إذا كان أقوى منه، أو الأقوى بالمطلق؟ التلويح بالقوة في مواجهة الناتو ليس جديداً على ترامب. انهيار التحالف الأميركي - الأوروبي لا يعنيه بدوره. هو لطالما احتقر الناتو واعتبره حوضاً مثقوباً يتسرب منه المال الأميركي إلى غير رجعة، من دون أن يقدّم أي فائدة تذكر للعضو الأغنى والأقوى. كذلك الأمر بالنسبة للأوروبيين الذين يعتاشون من كرم أميركا من دون أن يكونوا يوماً ممنونين لها. لماذا يترك لهم درّة الكوكب الفريدة هذه، وهو يعمل على إغلاق القبة حول أميركا في وجه الصين أولاً والعالم ثانياً، من الكاريبي وأميركا الجنوبية إلى القطب الشمالي؟
حلم ترامب بغرينلاند لم يأته في ليلة صيف. ويليام سيوارد، وزير خارجية الرئيس أندرو جونسون، حلم بها قبله وفكر بشرائها، لكن لم تحصل أي مفاوضات رسمية. حينها، في عام 1867، اشترت أميركا من جارتها الإمبراطورية الروسية رقعة هائلة أخرى من الأرض إسمها آلاسكا، باتت الولاية التاسعة والأربعين، ما قبل هاواي، الخمسين والأخيرة.
هاري ترومان دفع مئة مليون دولار بالجزيرة الثلجية للدانمارك في عام 1946، ورفضت المملكة هذا العرض غير المجزي بالمطلق، بغض النظر عن قيمة العملة حينها مقارنة باليوم. دونالد ترامب الآن يقدم عرضه وفق الجملة الخالدة لدون فيتو كورليوني، كبير المافيا في فيلم العراب: "عرض لا يمكن رفضه". وهي عبارة تحتمل وجهين؛ فإما أن العرض سخي لدرجة لا تُقاوَم، وإما أن عواقب رفض العرض ستكون وخيمة وغامضة، أقلها، مثلاً، وضع رأس حصان مقطوع في سرير صاحبه النائم.
إما "مونوبولي"، وإما "ريسك"، أو كلاهما.









0 تعليق