رسالة ماكرون.. ودبلوماسية ترامب العارية - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رسالة ماكرون.. ودبلوماسية ترامب العارية - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 09:22 صباحاً

في خضم زخم اجتماعات دافوس، فوجئ الرأي العام العالمي بمنشور للرئيس الأميركي دونالد ترامب يعرض فيه لقطة شاشة لرسالة قال إنها وصلته من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

رسالة خاصة، غير رسمية، تتناول ملفات دولية شديدة الحساسية: سوريا، إيران، أوكرانيا، روسيا، وجرينلاند، وتقترح لقاءً ثنائيًا وعشاءً في باريس بعد قمة مجموعة السبع.

خلال ساعات، تحولت الرسالة إلى مادة إعلامية عالمية: هل هي حقيقية أم مفبركة؟ هل أخطأ ماكرون أم تجاوز ترامب كل الأعراف؟ وهل ما جرى مجرد تسريب أم فضيحة دبلوماسية مكتملة الأركان؟

لكن هذا الجدل، على أهميته الظاهرية، يطرح السؤال الخطأ، فالقصة لا تتعلق برسالة، ولا حتى بما كُتب فيها، بل بما أصبح ممكنًا في السياسة الدولية اليوم: أن تُنشر مراسلات خاصة بين قادة دول كبرى على الملأ، دون اعتذار، ودون مساءلة، ودون كلفة سياسية واضحة.

ما فعله ترامب لا يمكن وصفه بـ «تسريب»، فالتسريب له قواعد معروفة: مصدر خفي، وصحافة وسيطة، ثم إحراج يعقبه حساب، أما ما جرى هنا فهو نشر مباشر وعلني، بلا وسيط، وبلا تبرير، وبلا أي شعور بأن هناك خطًا أحمر قد تم تجاوزه.. هذه ليست زلة بروتوكولية، بل ممارسة جديدة للسلطة.

أوروبا لم تُحرَج.. بل انكشفت، وسواء كانت الرسالة صحيحة نصيًا أو لا، فإن وظيفتها السياسية تحققت بالكامل.

الصورة التي وصلت إلى الرأي العام واضحة: رئيس أوروبي يظهر قلقًا، متسائلًا، ساعيًا للقاء، ورئيس أميركي يملك وحده قرار النشر، والتوقيت، والإحراج.

الأخطر ليس مضمون الرسالة، بل ما لم يحدث بعدها فلم نجد نفي فرنسي حاسم، ولا تصعيد دبلوماسي جدي، ولا حتى موقف أوروبي موحّد.

وهنا جوهر التحول: عندما تُنتهك الخصوصية السياسية ولا يُحاسَب من انتهكها، فهذا يعني أن فكرة الخصوصية نفسها لم تعد قائمة في العلاقات الدولية.

الرسالة أدت وظيفتها في كل الأحوال، والمفارقة الخطيرة أنها حققت هدفها مهما كان وضعها الحقيقي، فإن كانت صحيحة، فهذا يعني أن ترامب قادر على تعرية أقرب حلفائه علنًا، وإن كانت مجتزأة أو غير دقيقة، فهذا يعني أن الطرف الآخر عاجز عن الرد دون أن يخسر. في الحالتين، النتيجة واحدة: تفوق رمزي كامل، فما نشهده ليس دبلوماسية، بل سياسة إذلال علني، تُدار بالصورة لا بالاتفاقات، وبالنشر لا بالتفاوض.

فحين تتحول السياسة الدولية إلى دردشة، وتُختزل ملفات بحجم سوريا، وإيران، وأوكرانيا، وروسيا، وجرينلاند.. في لقطة شاشة واحدة، فهذا لا يعني تبسيط السياسة، بل إلغاء السياسة كما عرفناها.

لم يعد هناك مسارات تفاوض، وتدرج في الحلول، خطوط حمراء واضحة، بل هناك فقط قاعدة واحدة: من يملك النشر يملك الرواية.

نحن ندخل عالمًا جديدًا، عالم بلا أسرار: لا شيء فيه خاص، ولا صديق مضمون، ولا تفاهم محمي.

القوة لم تعد تُقاس فقط بالسلاح أو الاقتصاد، بل بالقدرة على إحراج الآخر علنًا دون أن تدفع ثمنًا.

وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان رئيس الولايات المتحدة يستطيع نشر رسالة خاصة لرئيس فرنسا، فمن التالي؟ زعيم إقليمي؟ اتفاق أمني غير معلن؟ تفاهم حساس؟ أم ابتزاز سياسي مغلف بشعار الشفافية؟

لسنا أمام أزمة رسالة، بل أمام تحول جذري في طريقة إدارة العالم.

من يظل منشغلًا بالسؤال عن صحة الكلمات، سيفوته أن القاعدة نفسها قد تغيّرت: العلاقات الدولية لم تعد تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل على الشاشات، وأمام الجميع.

اقرأ أيضاً
ترامب: الرئيس بوتين مدعو لعضوية مجلس السلام في غزة

الخلافات بين أمريكا وأوروبا تهدد بانهيار حلف الناتو.. وتركيا هي الرابح الأكبر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق