نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قرار الهيئة الناظمة... المسمار الاخير في نعش "ليبان تلكوم"! - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 02:36 مساءً
عند صدور القانون 431 عام 2002، استندت الرؤية التشريعية إلى معطيات سوق تختلف جذريا عن واقع اليوم. فقد كانت الدقائق الدولية والاتصالات الصوتية الثابتة تشكل أكثر من 90% من إيرادات القطاع، فيما كان الإنترنت لا يزال خدمة ثانوية محدودة (Dial-up) تقدم تحت إشراف صارم، ولم تكن الشبكات غير الشرعية قد ظهرت بعد ككيانات موازية للدولة.
صمم القانون لضمان انتقال منظم للاحتكار من الوزارة إلى شركة مملوكة للدولة هي "ليبان تلكوم"، بهدف تعظيم قيمتها تمهيدا لإدخال شريك استراتيجي وخصخصتها لاحقا. غير أن المشرع لم يتوقع نشوء "مشغلين ظل" يمتلكون بنية تحتية موازية، ولا سيما الألياف البصرية، تنافس أصول الدولة وتستحوذ على جزء كبير من الإيرادات الناتجة عن خدمات الإنترنت غير المرخصة.
وزارة الاتصالات اللبنانية (إكس).
تكمن المشكلة الأساسية في أن تأخير تنفيذ القانون طوال 24 عاما أدى إلى تبدل جوهر القيمة في القطاع. ففي عام 2002، كانت قيمة "ليبان تلكوم" ترتكز على الرخصة الحصرية وقدرتها على جباية الرسوم من الهاتف الثابت، إضافة إلى الإمكانات المستقبلية لخدمات الإنترنت. أما في عام 2026، فقد انتقلت هذه القيمة إلى البيانات (Data) وامتلاك "الوصلة الأخيرة (Last Mile) " التي تربط المشترك مباشرة بالشبكة.
في هذا السياق، جاء القرار رقم 4/2026 الصادر عن الهيئة الناظمة الأسبوع الماضي ليضيف تعقيدا جديدا. فبينما كان القانون 431 يهدف إلى تمكين "ليبان تلكوم" من السيطرة على السوق، يخشى أن يؤدي القرار، عمليا، إلى تثبيت سيطرة تدريجية للقطاع الخاص على "الوصلة الأخيرة" لنحو 900 ألف مشترك. وهذا يعني أن الشركة، في حال إنشائها اليوم، قد تجد نفسها تمتلك العمود الفقري للشبكة (Backbone) من دون القدرة على الوصول المباشر إلى قاعدة المشتركين التي تشكل مصدر القيمة الفعلي.
ويخشى أن يؤدي توجيه إنذارات لشركات الإنترنت المخالفة، بدلا من مصادرة الشبكات غير المرخصة وفق المرسوم 9458/2022، إلى نقل المشتركين تدريجيا نحو شركات القطاع الخاص عند تسوية أوضاعهم، بدلا من إعادتهم إلى الشبكة الوطنية. ويعد ذلك، وفق هذه القراءة، انحرافا عن الغاية التي رسمها المشرع عام 2002، حين أراد أن تكون "ليبان تلكوم" الوريث الشرعي الوحيد لأصول القطاع قبل خصخصته.
في هذا الإطار، يوضح خبير الاتصالات والمدير العام السابق لشركة "تاتش" وسيم منصور أن الهيئة الناظمة هي الجهة التنظيمية المستقلة المكلفة بمراقبة جميع الفاعلين في القطاع، بما في ذلك المشغل العام، وتتمتع بصلاحيات رقابية وضبطية بموجب قانون الاتصالات. ومن هذا المنطلق، كان يفترض أن تمارس دورا أكثر فاعلية لضمان تطبيق الإطار القانوني، ولا سيما المرسوم 9458/2022، قبل الاكتفاء بمقاربات جزئية أو الانتقال إلى إجراءات نقل جماعي للمشتركين ضمن مهلة زمنية قصيرة. كما أن قابلية تنفيذ هذا الإجراء تطرح تساؤلات تقنية وتشغيلية، خصوصا في ظل وجود بنى تحتية غير مفعلة في بعض المناطق، ما يستدعي توضيح الدراسات والمعطيات التي استند إليها القرار لضمان تطبيقه من دون الإخلال باستمرارية الخدمة.
فالقضية "لا تتعلق فقط بتصحيح مخالفة، بل بحماية قيمة استراتيجية في القطاع. فقاعدة المشتركين والوصول المباشر إليهم باتا يمثلان جوهر القيمة الاقتصادية للاتصالات. وأي معالجة لا تعطي أولوية للشبكة الوطنية قد تؤدي عمليا إلى انتقال هذه القيمة إلى السوق الخاص بدلا من استعادتها لصالح الدولة". فالسماح للشركات المخالفة بنقل المشتركين، حتى مع ترك حرية الاختيار للمستخدمين نظريا، يعني عمليا تكريس ما يشبه "حقوق ملكية الزبائن" (Customer Equity) التي بنيت أساسا على واقع تعد غير منظم، وهو أمر لم يكن متاحا أو متصورا عند صياغة القانون 431.
وعليه، فإن تطبيق القانون اليوم، من دون إجراء معالجة تنظيمية جذرية لاستعادة نحو 900 ألف مشترك وأصولهم المرتبطة بهم استنادا إلى المرسوم 9458 النافذ، قد يحول إنشاء "ليبان تلكوم" إلى خطوة شكلية لشركة تفتقر إلى مقومات الربحية منذ انطلاقها.
ويؤدي هذا المسار إلى تآكل الأصول غير الملموسة للدولة في فقه قانون الاتصالات، حيث تعد قاعدة البيانات والوصول إلى المشتركين أصولا استراتيجية. وقد أسهم تراكم الواقع غير المنظم، ولا سيما منذ عام 2017، في نقل هذه القيمة تدريجيا من القطاع العام (أوجيرو/ليبان تلكوم) إلى القطاع الخاص غير المرخص. وبدلا من تصحيح هذا المسار عبر تفعيل المرسوم 9458 ومصادرة الأصول المخالفة لحماية حقوق الدولة وتعويض خسائرها، اكتفت المقاربة الحالية بتوجيه الإنذارات، ما يثير مخاوف من استمرار استنزاف القيمة الفعلية للقطاع.









0 تعليق