نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كارثة الودائع ... لا تحتمل المواربة - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 01:24 مساءً
عبدالله ناصرالدين
في خضمّ النقاش الدائر حول ما يُسمّى "قانون الفجوة المالية"، يطفو على السطح طرحٌ خطير يحاول معالجة واحدة من أكبر الجرائم المالية في تاريخ لبنان عبر تصنيف المودعين وفق العمر أو الإقامة أو الجنسية، وكأنّ المشكلة تكمن في هوية الضحية لا في هوية المرتكب. هذا المنحى لا يشكّل حلاً للأزمة، بل يؤسّس لظلمٍ جديد يُضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي تعرّض لها اللبنانيون منذ بداية الانهيار.
إنّ الودائع المصرفية ليست امتيازاً اجتماعياً ولا منحة ظرفية، بل هي حقّ قانوني مكتسب، حُمِيَ بنصوص الدستور والقوانين المرعية الإجراء، وأُودِع في المصارف تحت مظلّة الدولة ورقابتها. وبالتالي، فإنّ أي محاولة لإعادة هذه الحقوق عبر سلّم تفضيلي بين مودعين متساوين في المركز القانوني تُعدّ خروجاً فاضحاً عن مبدأ المساواة، وتفتح الباب أمام تشريعات انتقائية قابلة للطعن ومهدِّدة للسلم الاجتماعي.
سياسياً، لا يمكن فصل أزمة الودائع عن منظومة الحكم التي أدارت البلاد بعقلية الاستدانة والهدر والتواطؤ مع القطاع المصرفي. فالأموال لم تختفِ بفعل كارثة طبيعية، بل نتيجة سياسات مالية ونقدية خاطئة، وغضّ نظر متعمّد عن المخاطر، واستفادة غير مشروعة من فوائد خيالية وأدوات مالية مشبوهة. من هنا، فإنّ المدخل الحقيقي لأي حلّ لا يبدأ بتوزيع الخسائر على المودعين، بل بإطلاق تحقيق قضائي مالي سريع ومستقل، يحدّد المسؤوليات ويكشف مسار الأموال ويستعيد المنهوب منها.

إنّ تحرير يد القضاء، ورفع كل الحصانات السياسية والإدارية والمصرفية، ليس مطلباً شعبوياً، بل شرطٌ أساسي لإعادة الثقة بالدولة. فلا يمكن إقناع المودع بالتضحية بحقوقه فيما المتورّطون في الانهيار يتمتّعون بحماية سياسية وقانونية، وتُقفل أمام القضاء أبواب المصارف ودفاترها.
اقتصادياً، إنّ تحميل الدولة كلفة الودائع بشكل مباشر يعني ببساطة نقل الخسائر إلى المواطنين أنفسهم عبر الضرائب والتضخّم، وهو مسار غير عادل وغير قابل للاستمرار. بالمقابل، فإنّ شطب الودائع أو اقتطاعها يُشكّل إعلان إفلاس أخلاقي واقتصادي، ويقضي نهائياً على ما تبقّى من ثقة بالقطاع المصرفي. الحل الواقعي يكمن في تحميل المصارف المسؤولية الأولى، عبر إلزامها بوضع جميع ملفاتها وأصولها وميزانياتها بتصرّف القضاء، والمساهمة الفعلية في إعادة أصل الودائع من رساميلها، لا من جيوب الناس.
إنّ استعادة أصل الودائع، ضمن جدول زمني واضح، ومن دون فوائد مرتفعة تُربك الاقتصاد، تمثّل الحدّ الأدنى من العدالة. فالمودع لا يطالب بأرباح خيالية، بل بأمواله التي جُمِّدت قسراً وبغير وجه حق.
في المحصّلة، إنّ الدفاع عن حقوق المودعين ليس موقفاً تقنياً، بل خيارٌ سياسي بامتياز. فإما دولة تحمي مواطنيها وتُحاسب المتسبّبين بالانهيار، وإما سلطة تُكرّس منطق الإفلات من العقاب وتدفع المجتمع نحو مزيد من الانهيار. والاختيار، هذه المرّة، لم يعد يحتمل المواربة.









0 تعليق