
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
جورج كلّاس- وزير سابق
تطرح القضية الاعلامية المثارة حول توثيقات جيفري إبستين أخلاقيات توظيف العمل الإستخباراتي و مخاطر إستثماره في إعلام الفضح واستراتيجيات التشهير، لتخدم روزنامات وتوجهات سياسية في ظرف محدد، و تستهدف أنظمةً وزعماءً وأشخاصاً من ذوي المكانة الاقتصادية والاجتماعية بهدف زعزعة الثقة بهم وإلحاق الأذية المعنوية بسمعتهم والنيل من صلابة النظام القائم و تقويض ركائز العلاقات بين السلطة والجمهور، إضافة الى إستهداف مرتكز النفوذ لدى الجهات المقصود رصدها والإيقاع بها، من خلال توثيقات تصويرية وتسجيلية و مراسلات خطية وما إذا كانت خدعاً مركبة أو حقائق مسكوتاً عنها.
قوة الممكن والمستحيل وفنية الإفراج عن المسموح نشره والمحجوب عن النشر بما يتوافق وهدفيات الجهة التي تقف خلف توقيت النشر والفضح واستخدام التوثيقات أداة للتضليل وإساءة السمعة من خلال ملفات تثير الجدل، وما قد تسبّبه من تداعيات سياسية على صعيد إستقالة مسؤولين إستهدفتهم الوثائق وإقدام بعضهم على الانتحار هرباً من الفضيحة.
فعملية استخدام ملف الفضائح تتطلب معرفة بإدارة النفوذ ووضع مخطط عمل وتشغيل العملاء و تأليف شبكات اتصال تعمل خارج إطار قانون الشفافية، وما تستوجبه عملية إيجاد أدلَّة موثوقة قادرة على تحريك الاهتمام، والحرص على عدم الوقوع في فخ التورّط بمقاصد التجريم الجنسي والإختلاسي والعنصري، مما يجعل من منظّم التوثيقات يقترف جرمين، جرم النيل من سمعة الاشخاص واستهدافهم والتسبب بأزمات تنعكس على مستقبلهم وحياتهم، وجرم تحويل مستهلك الوثيقة إلى ضحية، فضلاً عن إفتعال التضليلات المرافقة للملفات الخام غير المثبتة.
وأخطر ما يمكن أن ينتج من عملية توقيت نشر التوثيقات هو إرفاقها بحملة دعائية تزيد من قوة الجذب والحشرية، وتمهد لطرح اسئلة مركزية حول قيمتها المعرفية وقوتها التأثيرية وخصوصاً إذا ما تم الإفراج عن مضمون بعضها بعد موت الشخص الذي وثقها، كحالة جيفري إبستين، الشاهد الوحيد على صدقية التوثيقات أو عدمها، إذ قررت الجهة السياسية الإفراج الجزئي عن أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون وثيقة ومئة وثمانين ألف صورة ومليوني تسجيل ڤيديو، بعد ست سنوات من حادثة وفاته التي لا تزال حتى الآن محل تجاذب بين رواية انتحاره أو مقتله في سجنه .
فالإعتراف بقدرة الإعلام كسلطة معنوية وتأثيرية، يدفع إلى مقاربة إعلام الفضائح من منظور إستراتيجي و تحليلي، ومعرفة مدى فعاليته في إنتاج محتوى فضائحي وكيفية إستثمار الخبر الذي كان مسكوتاً عنه، واكتشاف أسباب الرصد التصويري والتجميع والاستخباري ودوافعه، وإعتماد منطق اللحظة الأنسب للنشر والتوزيع والاستهداف والفضح، من مثل ما تشكله وثائق إبستين كنموذج للعمل الاستخباراتي الذي يولد أزمة ثقة بين المنتفعين والمتضررين من النشر ويخلق أزمة شفافية، قياساً بمنسوب الصدقية التي تتقصد إهتزاز النخب السياسية والاجتماعية، من خلال التداعيات الامنية والسياسية والاخلاقية التي تحدثها .
المشكلة المهنية التي تعترض المؤسسة الاعلامية عند تبنِّيها المحتوى الفضائحي للملفات واكتشافها أنها تورطت بعيداً، هي كيفية إعتمادها تقنية إعلام طائر الفينيق أو إعلام الفرصة الثانية، الذي يوفر للمؤسسة إعادة تموضعها وإتزانها والإمساك بناصية التقصي المعرفي من جديد.
فالإعلام الاستراتيجي من حيث هو علم وتخصص وشغف ويحترم ناموس الكشف عن الحقائق وإنتاج معارف، يمتاز بأنه عملية معاينة للأحداث وتأريخ للوقائع وتقديم رؤية حولها، ما يوفر للمؤسسة والإعلامي ميزة إقتناء التاريخ من دون أي علاقة تبعية لأي جهة.
فهل يقدر الإعلام الذي غالى بإستثمار الفضيحة وحاد عن موضوعيته على الإنبعاث من جديد ليستعيد كيانيته ورصانته ويحتِرم رصيده ويحرص عليه، وأن يتغلب على محنة الظروف الصعبة التي أثرت على مهنيته، فيتقن استخدام تقنيات النهوض وعدم الاستسلام للخطأ الذي وقع فيه، من خلال إعادة رسم خارطة إستعادة الثقة والعودة لإكمال دورة المعرفة، بعيداً من التلوث السمعي والتشويه اللفظي وعقديات توظيف الصورة وإستغلال سطوة السلطة الرابعة. وهذا ما يفرض وجوبية التركيز على السعي الاحترافي الذي يولد السبق المعرفي ويكون قادراً على استثمار الاختلاف الحضاري والسياسي لاستعادة الدور وتأكيد نفعية العمل الإستقصائي والحقيقة التي يساهم بكشفها.
وتتجسد مسؤولية الإعلام بجرأة إتباع التوبة عند اكتشاف الحقيقة وعدم الإكتفاء بإعلان الندم، لأن ذلك لا يكفي لإعادة ترميم الصورة التي خدشها التسرع بتبني مضامين وثائق الفضيحة المثارة . فثلاثية الاعتذار والتوبة والندم تفضي إلى العدالة الواجب التحلّي بها، حفاظاً على ناموس المهنة وهيبة السلطة وكرامة المهنة. فلحظة الاندفاع القصوى (المومنتوم) في إعلام الأزمات تمهد لإعلان الإنذار النهائي (أولتيماتوم)، لأن خطاب التوتر العالي يحمل في طياته معالم الخطر الدائم الذي من الصعب تصحيحه والتراجع عنه من دون ترك ندوب في رصيد المؤسسة والإعلامي نفسه .وهذا ما يؤكد أن الحفاظ على رصانة الكلام في زمن الأزمات هو قدرة فنية تقود إلى الإمتياز الفكري الذي يجعل من الممكن وضع رؤية الأهداف وتحقيقها بما يتوافق وصوابية الرصد والتحليل وتقديم مشاريع أفكار حول الأمور الخلافية في حالة التعدديات الإعلامية التي تتسرع في عملية التنافس . فالحرص على التأكد من صحة المعلومة، ما يجعل من النص الإعلامي المتقن الصناعة والصياغة نصاً يُقرأ لذاته، وبعيداً من الاستغلال والاستثمار وأساليب التفاهة والسفاهة والسخافة. و هذا ما يجعل من إعلام الأزمات والنزاعات يستوجب الحيادية الموضوعية بمعناها الايجابي، لا الحيادية الهروبية بدلالتها السلبية، إذ غالباً ما تشكل الاستعانات اللفظية والإستعارات الأسلوبية مدخلاً مساعداً للنصوص المفتاحية التي تجرأ على طرح القضايا ومعالجتها بجرأة تفكيرية وعمق تحليلي، وهذا ما يجعل من الإطار الطقسي لكل أزمة مدخلاً إلى الكتابة التدبرِيَّة، بمعناها التوفيقي الحريص على إنتاج مواد نظيفة تتصف بفضيلة التوازن وقوة الاتزان، للإنتهاء من إشكالية التأكد من صحة محتوى الوثائق، ونفعيتها قبل نشرها.
فأية مسؤولية تقع على مروجي إعلام الفضائح من الاستهداف والتضليل وقصدية تشويه السمعة، إلى تلويث الصورة وهدم الثقة وإسقاط الهالة، ومواءمة ذلك مع الدور الاستخباراتي و الاستعلامي المرافق لعملية الرصد والتركيب والتلفيق وتقنيات الاختراق واستراتيجيات التوقيت، والإفراج عن الوثائق ومعرفة قيمتها ومدى صحتها. وهنا يتحدد سؤال المرحلة حول مَنْ يمكن أن يستفيد من النشر؟ قبل السؤال من هو المتضرر من الفضح؟
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.