نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين ترتدي السلطة عباءة الغيبة - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 12:58 مساءً
الدكتور طلال الخزرجي - طبيب وكاتب
ليس كل غياب مقدساً، وليس كل انتظار عبادة. غير أن المدهش في تداخل المرجعيات الدينية مع إدارة الأزمات السياسية هو قدرة بعض الأنظمة على إعادة إنتاج شرعيتها عبر استعارة الشكل الديني دون جوهره، واستعارة الهالة دون مضمونها. ما نراه في بعض التجارب التي تخلط بين الشرعية الإلهية والتدبير الدنيوي هو مشهد آسر: اختفاء قائد سياسي تحت ذريعة أمنية أو صحية، ثم يُعاد تقديم هذا الاختفاء للجمهور المتدين بوصفه غيبة مؤقتة، حكمتها خفية، ونوابها حاضرون، وانتظارها عبادة.
في الفكر الشيعي الاثني عشري، يمثل صاحب العصر والزمان والإمام المنتظر حقيقة وجودية ومحورية. غيبته ليست غياب موت، بل حضور من نوع آخر. إنه الحي الذي يُرجى، والقائد الذي يُنتظر، والحجة التي لا تنقطع. هذه الغيبة مؤسسة بنصوص دينية متواترة، ولها أهداف روحية واضحة: اختبار الإيمان، وتحمل الغموض، وتحمل المسؤولية الذاتية في زمن الحيرة. إنها سردية خلاص تمتد من النص إلى الضمير، ومن الدعاء إلى الأمل.
أما في الساحة السياسية، حيث تدور صراعات النفوذ وأزمات الخلافة والانقسامات الخفية، فإن اختفاء شخصية محورية يتحول فجأة إلى لغز. لكن الأكثر إثارة أن بعض السلطات لا تترك هذا الغياب دون تغطيته برداء من القداسة. فيبدأ الحديث عن"حكمة خفية"، و"امتحان إلهي"، و"ضرورة النيابة المؤقتة"، و"عدم جواز السؤال عن ولي الأمر". إنها لغة منقولة مباشرة من التراث المهدوي، لكنها تُلف على جسد سياسي ضعيف أو متعب أو متنازع عليه.
ما يحدث هنا هو عملية استعارة شكلية ذكية. التشابهات سطحية لكنها كافية لتوليد شرعية نفسية في أوساط الجمهور المتدين: غياب جسدي مع بقاء هيبة الرمز، وإدارة شؤون الحكم عبر وسطاء أو مجلس أو لجنة أزمة، ثم تحويل مدة العجز إلى فترة انتظار مفروضة يُحسب فيها الصبر إخلاصاً، ويُحسب فيها السؤال فتنة. بهذه الطريقة تتحول الأزمة السياسية إلى طقس ديني، ويتحول فراغ القيادة إلى غيبة مؤقتة، ويتحول النقاش حول صحة القائد أو مصيره إلى تشكيك في القدر الإلهي.
غير أن الفارق الجوهري يبقى قائماً ولا يمكن طمسه مهما بلغت براعة التوظيف. غيبة الإمام المهدي تهدف إلى خلاص نهائي للبشرية بالعدل، أما غيبة القائد السياسي فهدفها تدبير مؤقت لأزمة عابرة. الأولى قائمة على نص وإرادة إلهية، والثانية قائمة على حاجات بشرية مادية كالعجز الطبي أو انقسام النخبة أو الخوف على السلطة. الأولى تزداد قدسية مع الزمن، والثانية تزداد هشاشة. الأولى تنتظر ظهوراً معجزياً، والثانية لا تنتهي إلا بموت معلن أو انقلاب أو تسوية سياسية.
بالنسبة للإنسان الشيعي الذي يعيش هذه النقاشات في وعيه، تبقى معضلة حقيقية: كيف نميز بين الغيبة الحقيقية التي هي ركن إيمان، وبين الغيبة المقنعة التي هي حالة اضطرار سلطوي؟ ربما يكون المعيار هو السلوك العملي للقائمين على النيابة. فإذا كان أي استفسار عن حقيقة القائد الغائب لا يُقابل بإجابة واضحة، بل يُواجه بالصمت الرسمي، ويُتَّهم صاحبه بإثارة الفتنة، أو يُصنَّف ضمن الشائعات الممنوعة، وإذا كانت فترة الانتظار تطول دون أي أثر لعدل أو بركة تتحقق في الأرض، بل تتفاقم الأزمات، فإن المرآة تنكشف من تلقاء نفسها.
تبقى الخلاصة أن توظيف السرديات الدينية لتبرير حالات القصور السياسي ليس مجرد انتهازية، بل هو ضرب للإخلاص الديني قبل أن يكون تضليلاً سياسياً. لأن الإيمان بالغيب يتحول حينها إلى أداة لتبرير الصمت، وتصبح ثقافة الانتظار قفصاً ذهبياً لا طوق نجاة، ويتحول التراث المهدوي من منهج بناء إلى كابوس تأبيد للواقع القائم.













0 تعليق