جنوب لبنان: هدنة بلا سلام ... ودمار يتوسّع بصمت - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جنوب لبنان: هدنة بلا سلام ... ودمار يتوسّع بصمت - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 12:36 مساءً

  فاتن كحيل

 

 

 

منذ الإعلان عن الهدنة في جنوب لبنان، بدا المشهد وكأنّه يتّجه نحو التهدئة. غير أن ما تكشف تباعاً، ولا سيّما خلال نيسان 2026، رسم صورة مغايرة: انفجارات متواصلة، غارات متقطعة، وعمليّات تفجير طاولت ما تبقى من منازل وبنى تحتية. هدنة في البيانات، وحرب مستمرّة على الأرض. 
 في النبطيّة وبلداتها، لم يعد الدمار حدثاً استثنائيّاً، بل واقع يوميّ. أحياء سكنيّة خرجت من الخدمة، منازل سويّت بالأرض، وأسواق تحوّلت إلى ركام. المشهد نفسه يتكرّر في بلدات مثل دبّين، عيترون، مارون الراس، حيث امتدّ الدمار ليطال البنية السكنيّة والزراعيّة على حد سواء. أما الخيام، فقد شهدت خلال الأسابيع الأخيرة مستويات مرتفعة جداّ من التدمير، إلى حدّ باتت معه معالمها شبه مطموسة.
 التسلسل الزمني خلال نيسان يكشف هذا المسار بوضوح. في مطلع الشهر، استمرت الغارات رغم سريان الهدنة. ومع منتصفه، صدرت إنذارات بإخلاء عدد من البلدات، تلتها عمليّات تفجير واسعة طاولت مربعات سكنيّة كاملة في قرى حدودية. وفي الأيّام الأخيرة، تصاعد استهداف الأبنية المتبقية، في نمط يوحي بعمليّة تدمير تدريجيّة ومنهجيّة لما لم يدمّر بعد.
 ولا يقتصر المشهد على العمليّات العسكريّة المباشرة، بل يتجاوزها إلى ما يشبه إعادة تشكيل للواقع الجغرافي. فقد أدى استهداف الطرق والجسور إلى عزل قرى بأكملها، فيما طاولت الأضرار الأراضي الزراعيّة في مناطق مثل بنت جبيل، ما انعكس مباشرة على مصادر رزق السكان. كذلك، خرجت البنى التحتية الأساسيّة من الخدمة في عدد من البلدات، ما جعلها غير قابلة للحياة في المدى المنظور.
 في الميدان، تختصر شهادات الأهالي حجم المأساة. يقول أحد السّكان:
  "عدنا لنرى منازلنا، فلم نجد سوى الرّكام... حتّى الأشجار احترقت".
وتضيف سيّدة نازحة: 
  "نسمع عن هدنة، لكنّنا لا نعيشها ... الانفجارات لا تتوقّف".
هذه الشهادات تعكس حالة عامّة من الضياع، حيث لم تعد الهدنة تعني الأمان، بل مجرّد عنوان سياسي لا يغيّر في تفاصيل الحياة اليوميّة.
 إنسانيّاً، تتفاقم الأزمة مع استمرار نزوح آلاف العائلات من قرى مثل عيترون ومارون الرأس والنبطيّة والخيام، في ظلّ غياب أي بيئة آمنة للعودة. الحركة الاقتصاديّة شبه مشلولة، والخسائر تتراكم، فيما تتراجع فرص إعادة الإعمار مع كلّ ضربة جديدة. ومع كل تفجير، يترسّخ واقع يجعل العودة أكثر تعقيداً وربّما مؤجّلة لسنوات.
وفي موازاة هذا الدمار، يبرز تحدٍّ آخر لا يقلُّ خطورة: كلفة إعادة الإعمار. فإعادة تأهيل القرى المتضرّرة في جنوب لبنان ستتطلّب سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، في ظلّ أزمة اقتصاديّة خانقة. وبين غياب التمويل الواضح وتعقيدات الواقع السياسي، تبدو عمليّة الإعمار مؤجلة، ما يعمق شعور السكان بأنّ الدمار قد لا يكون موقتاً. 
ولم يقتصر التأثير على الحجر، بل طال الإنسان ومستقبله. فقد أقفلت مدارس أو تضررت، ما حرم مئات التلاميذ من استكمال تعليمهم. في قرى مثل عيترون والنبطيّة ومرجعيون ودبين والخيام، بات التعليم مرتبطاً بالنزوح، حيث يضطرّ الأطفال إلى التنقل أو التوقف، ما يهدّد جيلاً كاملاً بفجوة تعليميّة طويلة الأمد.
إلى جانب ذلك، تتراكم آثار نفسيّة عميقة لدى السكان، خصوصاً الأطفال. أصوات الانفجارات المتكرّرة، ومشاهد الدمار، وتجربة النزوح، خلقت حالة من القلق المزمن والخوف الدائم. وهي آثار قد تستمرّ حتّى بعد توقف العمليّات، لتشكّل عبئاً خفيّاً على المجتمع. 
سياسيّاً، لا يمكن فصل ما يجري في جنوب لبنان عن السياق الإقليمي الأوسع. فالهدنة الحالية تبدو أقرب إلى ترتيب موقت لضبط التصعيد، لا إلى اتفاق مستدام لوقفه.
 في هذا الإطار، تُستخدم العمليّات المحدودة والتفجيرات المتقطعة كأدوات ضغط ميداني، تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر إفراغ مناطق حدودية من سكانها أو خلق حزام غير مأهول.
 كما أنّ غياب آلية رقابة دوليّة فعّالة، وضعف الضمانات التنفيذيّة، جعلا من الهدنة إطاراً هشّاً، قابلاً للانتهاك في أيّ لحظة. وفي ظلّ تداخل الحسابات الاقليميّة والدوليّة، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل غير المباشرة، حيث يُدار الصّراع بوتيرة منخفضة، لكن بكلفة عالية على السكان. 
  في المحصلة، يكشف المشهد في الجنوب عن معادلة قاسية:
تهدئة معلنة سياسيّاً، يقابلها تصعيد ميداني مستمرّ. فلا الحرب انتهت فعليّاً، ولا السلام بدأ.
  وفي الجنوب، لا تُقاس الهدنة بما يعلن عنها، بل بما تمنعه من دمار. وحتّى الآن، لا يبدو أنها منعت شيئاً. 
فبين بيت يُهدم وآخر يُهجَر، تتآكل الحدود بين الحرب والسلام، ليبقى جنوب لبنان معلّقاً في مساحة رماديّة، حيث لا شيء محسوم... سوى استمرار الخسارة.
فالقرى التي تفجّر تباعاً، والسكان الذين يؤجلون عودتهم مرة بعد مرة، يؤكدون حقيقة واحدة:
الحرب قد تغيّر شكلها... لكنّها لم تتوقف.  
  في جنوب لبنان، لم تعد الهدنة تُقاس بما يُعلن عنها، بل بما تتركه خلفها. وحتّى الآن، ما يتراكم ليس الاستقرار، بل مزيد من الدمار. وبين حربٍ لم تنتهِ وسلامٍ لم يبدأ، يبقى الجنوب عالقاً... يدفع ثمن الوقت الضائع

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق