النقّاش... أرشيف الذاكرة الساخرة في جبل لبنان، قراءة في كتاب نبيه فيصل عن ألقاب القرى وطرائفها - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النقّاش... أرشيف الذاكرة الساخرة في جبل لبنان، قراءة في كتاب نبيه فيصل عن ألقاب القرى وطرائفها - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 09:56 صباحاً

 *فاروق غانم خداج

 

مدخل: حين تتكلم الجبال بلغتها الخفية

في الجبال، لا تُقال الأشياء كما هي.

تتجاور المعاني بدل أن تتطابق، وتتخندق الذاكرة في طبقات من السخرية، كأن اللغة نفسها تبحث عن منفذٍ خفيّ لتخفيف ثقل الواقع.

هناك، لا تُسمّى القرى بأسمائها فقط، بل بما يراه الآخرون فيها، أو بما تخيّلوه عنها، أو بما صاغوه عنها كي يروّضوا حدّة العيش المشترك.

وفي هذا الفاصل الدقيق بين التسمية والحكاية، يولد “اللقب” لا كزينة لغوية، بل كآلية اجتماعية كاملة لإعادة إنتاج العالم.

ومن هذا المناخ، يخرج كتاب يحاول أن يلتقط ما لا يُدوَّن عادة: ذاكرة تُقال ولا تُكتب، وتُضحك قبل أن تُفهم.

 

مقدمة

ليس كل ما يُكتب يُقرأ، وليس كل ما يُروى يُدوَّن. لكن ثمة نصوص تظهر في لحظات دقيقة من عمر الذاكرة، حين تصبح الحكاية أضعف من أن تُقال، وأقوى من أن تُنسى.

عند هذا الحدّ الفاصل بين الاندثار والبقاء، يتقدّم التوثيق لا كخيار ثقافي، بل كفعل مقاومة بحدّ ذاته.

 

من هنا، يطلّ كتاب النقّاش؛ ألقاب وطرائف من جبل لبنان وقصتان قصيرتان للكاتب اللبناني نبيه فيصل، الصادر عام 2001 في طبعته الأولى، لا بوصفه مجموعة من النوادر القروية، بل كأرشيفٍ متأخر لذاكرة جبلٍ كامل كان يكتب نفسه بالسخرية قبل أن يكتبه التاريخ.

 

حين يتحوّل الاسم إلى سؤال

منذ العنوان، لا يقدّم “النقّاش” نفسه كاسم، بل كسؤال معلّق: من الذي سمّى القرى؟ ومن الذي منحها هذه الصور التي التصقت بها حتى غدت جزءاً من هويتها؟

 

تتأرجح الروايات بين التفسير الشعبي والأسطرة، لكن ما يبدو أكثر رسوخاً هو أن “النقّاش” ليس فرداً بالمعنى الدقيق، بل بنية رمزية، أو صوتاً جماعياً مارس سلطة التسمية بالسخرية، وكأن المجتمع اخترع شخصيةً كي يبرّر لنفسه حقّ التهكّم.

إنه أقرب إلى ذاكرة تمشي، أو إلى راوٍ جماعي يمنح العالم أسماءه المؤقتة.

 

الألقاب: ديمقراطية السخرية في جبل لبنان

في قلب الكتاب، تتقدّم ظاهرة ألقاب القرى كأحد أكثر أشكال التعبير الشعبي كثافة وذكاء. فكل قرية في جبل لبنان لم تكن تُختزل باسمها الإداري، بل بلقبٍ يختصر تصوراً اجتماعياً عنها.

هذه الألقاب لم تكن هامشاً لغوياً، بل نظاماً غير مكتوب: وسيلة تعريف بين جماعات متجاورة، صيغة رمزية لإنتاج الهوية وأداة لتفريغ التوتر عبر السخرية بدل المواجهة.

إنها، في عمقها، شكل من “ديمقراطية السخرية”، حيث لا أحد يملك الحقيقة الكاملة، لكن الجميع يملك حقّ التوصيف.

 

فاللقب هنا ليس شتيمة فقط، بل معرفة شعبية تختصر مجتمعاً كاملاً في صورة لغوية مكثفة، تُقال بخفة لكنها تحمل طبقات من الإدراك الاجتماعي.

 

جبل لبنان: الجغرافيا التي تُنتج الرموز

لا يمكن فهم هذه الظاهرة خارج سياقها الجبلي. فالجبل لم ينتج عزلة مطلقة، ولا اندماجاً كاملاً، بل حالة وسطية دقيقة: قربٌ مكاني يقابله تخندق رمزي.

في هذا الفضاء: تتجاور القرى من دون أن تذوب في بعضها، بل تتمايز في خطابها عن نفسها وعن غيرها.

تتكثّف العلاقات عبر الشفاه لا الوثائق،

ويتحوّل التنافس إلى لغة رمزية بدل أن يتحوّل إلى صراع مباشر.

هكذا تصبح السخرية بنية اجتماعية، لا مجرد ردّ فعل، ويصبح اللقب وسيلة لضبط الهوية بقدر ما هو وسيلة لتفكيكها.

 

من الشفوي إلى المكتوب: فعل إنقاذ الذاكرة

تكمن أهمية نبيه فيصل في أنه التقط لحظة انتقال دقيقة: لحظة خروج الذاكرة من الشفاه إلى الورق. لم يخترع الألقاب، بل جمعها من عالم كان يوشك أن يختفي مع تغيّر البنى الاجتماعية.

 

هنا يتحوّل الكتاب إلى: أرشيف لذاكرة شفوية مهددة،

تثبيت لما كان يتغير باستمرار،

وإنقاذ لطبقة كاملة من الثقافة الشعبية.

 

لكن هذا الإنقاذ يحمل مفارقة لافتة: فما يُنقذ من النسيان يُنزع منه جزء من حركيته الأصلية، ويُحوَّل من حياةٍ إلى أثر.

 

بين الحقيقة والصورة: ما الذي يقوله اللقب فعلاً؟

لا يقدّم الكتاب حقيقة القرى بقدر ما يقدّم طريقة الناس في الحديث عنها. وهنا تتجلى قيمته العميقة: إنه يوثّق “التمثّل الاجتماعي”، لا الواقع الموضوعي.

 

في هذا السياق، يصبح اللقب مرآة مزدوجة: يعكس المجتمع كما يُرى، ويعيد تشكيله كما يُقال عنه.

 

وهذا ما يجعل هذه المادة أكثر حساسية مما تبدو عليه: لأنها لا تسجّل الواقع فقط، بل تسجّل طريقة تخيّله أيضاً، أي الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه عبر السخرية.

 

خاتمة: حين يسخر الجبل من نفسه… كي يفهمها

في النهاية، لا يبدو “النقّاش” اسماً لشخص، بل اسماً لأسلوب حياة كامل: طريقة جبلٍ في أن يحوّل اختلافاته إلى ألقاب، وتوتراته إلى طرائف، وحدّته إلى ذاكرة قابلة للحكاية.

لكن الأهم أن هذه السخرية ليست هروباً من الواقع، بل شكل من مواجهته الناعمة، وربما الأكثر صدقاً.

 

إن كتاب نبيه فيصل لا يوثّق ألقاب القرى فحسب، بل يكشف طبقة أعمق من الوعي الشعبي، حيث تصبح السخرية لغة للبقاء، واللقب هوية مختصرة، والذاكرة شكلاً من أشكال مقاومة النسيان.

 

ولعل ما يقدّمه هذا العمل اليوم يتجاوز التراث، ليصل إلى الحاضر نفسه: فـ“النقّاش” لم يختفِ، بل تبدّل.

 

وهو ما يزال، بأشكال مختلفة، يمشي بيننا… في مجتمعٍ لا يتوقف عن تسمية نفسه كي يفهم نفسه، ثم يعيد تسمية نفسه كي ينجو من نفسه.

 

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني 

 

المراجع

 نبيه فيصل، النقّاش؛ ألقاب وطرائف من جبل لبنان وقصتان قصيرتان، معرض الشوف الدائم للكتاب، الطبعة الأولى، 2001.

موقع Neelwafurat (نيل وفرات)، بطاقة الكتاب الببليوغرافية.

موقع Noor-Book، مدخل كتاب “النقّاش”.

Google Books، بيانات تعريفية للكتاب.

تقرير MTV اللبنانية: “ملقّب القرى المجهول.. من هو النقّاش؟”، إعداد نادر حجاز، 14 مايو 2023.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق