نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف يتعامل الإعلامى مع تصريحات متغيرة؟! - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 3 مايو 2026 01:50 مساءً
أعرف مشقة الإعلام وأقدر المخاطر التي يتعرض لها المشتغلون به، ومع معرفتي هذه لا أجدني مشفقًا على الإعلاميين، خاصة أهل الصحافة منهم، وهذا تصديقًا لمثل يقول: "من أراد العسل فليتحمل لسعات النحل، ومن أراد الورد فليتحمل وخز الشوك"، ولم يجبر أحد الصحفي على العمل بالصحافة، فالصحفي عمل طائعًا مختارًا بل محبًا وسعيدًا.
كانت تلك هي حقيقة مشاعري حتى جاء الرئيس دونالد ترامب لولاية ثانية في الرئاسة الأمريكية، لقد بت أردد صباح مساء "قلبي مشفق عليكم يا أهل الإعلام"، فالرجل يبدو مثل ماكينة تصريحات، وكل تصريح يناقض بل ينسف الذي قبله ويمهد لنسف الذي يليه، فماذا يفعل الإعلامي الذي من سوء حظه فرضت عليه ظروف العمل أن يتابع بدقة كل ما يصدر عن رئيس أكبر وأقوى دول العالم؟
أمامه حل من اثنين، إما يتجاهل كل تلك التصريحات، وهذه كارثة ولن يسمح له عمله بتجاهل تصريحات الرئيس الأمريكي، وإما أن يتابعها باهتمام وينقلها كما هي، وهذا للحق فوق طاقة معظم البشر، فالرجل مولع بالكلام وبالتغريد على منصته الخاصة، حتى يبدو كأنه لا يعرف النوم ولا غلق الفم!
المتابعة الحتمية ستترتب عليها مشاكل تجاه المصداقية، فكثرة من القراء والمشاهدين والسامعين يظنون أن هذا هو كلام الإعلامي، غير مدركين أن الإعلامي ما هو إلا حامل بريد، ينقل ما يصله إليه ولا علاقة له بمضمون الخطاب.
أضرب له مثلًا، وأنا أكتب مساء السبت الخامس والعشرين من إبريل 2026 فقد صرح الرئيس ترامب لفوكس نيوز: "لا يمكن إرسال الفريق في رحلة تستغرق 18 ساعة للحديث بشأن لا شيء.. نحن نملك كل الأوراق. قلت لفريقي قبل قليل، بينما كانوا يستعدون للمغادرة، قلت لهم: لا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للذهاب إلى هناك. نحن نملك كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا في أي وقت يريدون، لكنكم لن تقوموا بعد الآن برحلات تستغرق 18 ساعة للجلوس والتحدث عن لا شيء".
حتى عصر السبت لم يكن هذا هو موقف ترامب من المفاوضات، بل كان يبشر بأنها قادمة لا محالة، وبأن الفجوات تسد وبأن منطقة الشرق الأوسط ستنعم في عهده بالأمن والأمان بل وبالرفاهية.
كيف سيكون موقف الرئيس ترامب ليل السبت أو صباح الأحد؟ هذا يا صاحبي في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا مولانا عز وجل.
ما ذنبي أنا الإعلامي مع تصريحات متتابعة متناقضة؟
هل تذكر تصريحه الشهير الذي جاء فيه: "إذا استمرت إيران في تهديدنا، فسنمحو مراكز قوتها عن وجه الأرض. لا مزيد من الصبر".
بعده بساعات وفي مؤتمر صحفي قال ما نصه: "أنا لا أريد تغيير النظام، أنا أحب الشعب الإيراني. كل ما عليهم فعله هو الاتصال بي، وسنجلس لنعقد صفقة رائعة تجعلهم أغنياء جداً".
هو أصلًا كان قد وعد الناخبين أثناء الترويج لحملته الانتخابية قائلًا: "لن أرسل أبنائي للموت في رمال الشرق الأوسط. لقد انتهينا من تلك الحروب الغبية". ثم بدأ حربًا غبية بكل تأكيد وقام بإرسال عشرات آلاف الجنود إلى رمال الشرق الأوسط!
ثم عندما بدأت تلوح كارثة التعامل مع مضيق هرمز قال: "أي سفينة تدفع رسوماً لإيران ستُغرق أو تُصادر". ثم قام هو نفسه بإغلاق المضيق لتتفاقم الكارثة.
نختم بتصريح شغل الرأي العام العاملي لأيام وذلك عندما قال الرئيس ترامب: "لقد أنقذت للتو ثماني نساء مسيحيات وإيرانيات من الإعدام الوشيك في سجن إيفين. كان الجلاد يضع الحبل حول أعناقهن، لكنني أرسلت رسالة شديدة اللهجة، والآن هن في طريقهن للحرية بفضلي".
فورًا طل على الناس المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ليقول: "لا توجد أحكام إعدام صدرت بحق نساء في تلك الفترة بهذا العدد، والسجون الإيرانية لم تشهد أي عملية إفراج مرتبطة بتهديدات أمريكية، وتصريحات ترامب ما هي إلا هلوسات انتخابية لمحاولة كسب أصوات اليمين المسيحي في أمريكا".
ماذا يفعل الإعلامي في حالة كهذه؟
ليس بيده سوى النقل الأمين، أما أنت يا صاحبي فلأنك مشغول بالبحث عن الحقيقة فأنا أقول لك: "الحقيقة هي أولى ضحايا المعارك"، وأذكرك بأنه "عندما تتصارع الأفيال، يُسحق العشب".
كن معي في الدعاء للإعلاميين الذي تفرض عليه متابعة تصريحات رئيس أمريكا بأن يحفظ الله عليهم عقولهم.















0 تعليق