«مسافة السكة» الثانية ومعادلة الأمن المشترك - جريدة هرم مصر

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«مسافة السكة» الثانية ومعادلة الأمن المشترك - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 8 مايو 2026 03:49 مساءً

في مشهد يعيد تعريف مفهوم "الزيارات الرئاسية" من طقوس بروتوكولية إلى رسائل سياسية حية تُقرأ في الاستقبالات والحفاوة والتوقيت، قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الخميس، جولته الخليجية الثانية خلال أقل من شهرين، متوقفاً في العاصمتين أبو ظبي ومسقط، حاملاً على كتفيه إرثاً من التحالفات الاستراتيجية وثقل دولة تؤمن بأن "أمن الخليج خط أحمر".

 

هذه الجولة ليست تكراراً للجولة الأولى التي قام بها في 22 مارس الماضي إلى السعودية، بل هي ترجمة عملية لفلسفة "مسافة السكة" التي أطلقها الرئيس سابقاً، وتحويلها من شعار سياسي إلى واقع ملموس على الأرض، فإذا كانت الجولة السعودية قد أرست المبدأ، فإن جولة الإمارات وعُمان جاءت لتؤكد أن هذا المبدأ ليس استثنائياً وقت الأزمات، بل هو منهاج عمل في الأوقات العادية والحساسة على حد سواء.

 

أولاً: رسالة الوحدة في مواجهة "العدوان الإيراني"

أبرز ما حملته الزيارة، وخصوصاً في محطتها الإماراتية، هو الرد العملي على ما وصفه المحللون بـ"العدوان الإيراني الغاشم"، ففي الوقت الذي تمر فيه المنطقة بحالة تصعيد غير مسبوقة، جاءت زيارة الرئيس السيسي لتقول إن معادلة "ما يمس الإمارات يمس مصر" ليست مجرد عبارة دبلوماسية عابرة، بل هي التزام عملياتي.

 

هنا تجلت العبقرية السياسية في اختيار التوقيت، فبينما تحاول بعض القوى الإقليمية اختبار صلابة التحالفات العربية، جاء الرئيس السيسي ليجلس إلى طاولة واحدة مع الشيخ محمد بن زايد، ليس فقط للتباحث، بل للتأكيد أمام العالم أن التحالف المصري-الإماراتي هو "تحالف قوى" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

ولم تكن الرسالة موجهة إلى طهران فقط، بل إلى واشنطن والعواصم الكبرى أيضاً، مفادها: أي تسوية إقليمية لا تمر عبر قنوات التنسيق المصري-الخليجي، مصيرها الفشل.

 

ثانياً: التنسيق العماني.. حكمة في زمن العواصف

أما المحطة العمانية، فكانت الأكثر عمقاً من حيث الدلالات الاستراتيجية، فسلطنة عُمان، التي لعبت تاريخياً دور "وسيط السلام" في المنطقة، تمثل اليوم وزناً سياسياً مختلفاً، وزيارة الرئيس السيسي إلى مسقط، ولقاءه السلطان هيثم بن طارق، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الدور العماني المتزايد في ملفات: التهدئة الإقليمية، ومفاوضات خفض التصعيد، وفتح قنوات تواصل مع أطراف يصعب الوصول إليها.

 

ما قاله سفير عمان بالقاهرة، عبد الله الرحبي، بأن المباحثات تكتسب "أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من ظروف دقيقة ومتغيرات متسارعة"، هو اعتراف صريح بأن تيارات المنطقة أصبحت سريعة للغاية، وأن سفينة الأمن القومي العربي تحتاج إلى أكثر من مجرد مجذاف واحد.

 

عُمان ومصر تشتركان في رؤية واحدة: الحلول السياسية لا العسكرية، الحوار لا المواجهة، وخفض التصعيد، لا تأجيج الصراعات، وهذا الثالوث (الرؤية المصرية، الحكمة العمانية، الثقل الإماراتي) يمكن أن يشكل لاحقاً "لجنة ثلاثية" غير معلنة لإدارة الأزمات في المنطقة.

 

ثالثاً: الإعلام الخليجي.. السند الشعبي وليس مجرد مرآة عاكسة

من اللافت في هذه الزيارة، هو الاهتمام الإعلامي غير المسبوق من وسائل الإعلام الخليجية المختلفة، لكن التحليل هنا يتجاوز مجرد ملاحظة التغطية، إلى فهم مضمونها، فلم تتعامل وسائل الإعلام في الإمارات وعُمان مع الزيارة كخبر عابر، بل كحدث وجودي.

 

عندما تحدثت فضيلة المعيني، رئيسة جمعية الصحفيين الإماراتية، عن أن الزيارات المتبادلة "ليست لقاءات بروتوكولية عابرة، بل تحمل في مضمونها رسائل سياسية واضحة"، فإنها تترجم الوعي الإعلامي العميق بحساسية المرحلة، ولقطات التجول في "مول ياس" التي التقطتها الكاميرات ونقلتها القنوات، لم تكن مجرد صور تذكارية، بل بيان سياسي مرئي مضمونه: القيادة هنا محاطة بحب شعبي حقيقي، وهذا التحالف مبني على إرادة الجماهير، ليس فقط على مصالح النخب.

 

رابعا: تعريف الأمن القومي العربي المشترك

قدمت زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات وعُمان ثلاث إجابات حاسمة عن أسئلة كانت مطروحة بقوة:

 

من يحمي الخليج؟ الإجابة: مصر، ليس لأنها قادرة عسكرياً فقط، بل لأن أمن الخليج أصبح جزءاً من عقيدتها القومية.

 

كيف يُواجه التحدي الإيراني؟ الإجابة: بالتوحد الاستراتيجي بين القوى العربية المعتدلة (مصر، الإمارات، السعودية، عُمان) وليس بالتصرف كل على حدة.

 

هل هذه مجرد زيارات وقت الأزمات؟ الإجابة: لا، إنها إعادة إنتاج مستمرة للتحالف، وأسلوب حياة سياسي، وتجسيد عملي لمقولة "مسافة السكة" التي لن تنقطع.

 

أخيراً، يمكن القول إن هذه الجولة الخليجية الثانية للرئيس السيسي، لن تُكتب في سجلات الدبلوماسية العربية كمجرد زيارة عابرة، بل كنقطة تحول في مفهوم "الأمن القومي العربي المشترك"، حيث أثبتت مصر مرة أخرى أنها الحارس الأمين والمصدر الآمن الذي يستند إليه الأشقاء في وقت الشدة، قبل وقت الرخاء.

 

إنها مصر كما عهدها الخليج: قلب نابض، لا مجرد جار على الخريطة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق