نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بحر و"بوب" وشمس وفنّ في الجنوب الفرنسي - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 8 مايو 2026 10:07 صباحاً
يعود فن الـ"بوب آرت" الى الواجهة في معرض كبير يقام حاليا في "مؤسسة كارمينياك" الثقافية الخاصة في قلب جزيرة بوركورول الرائعة بين مدينتي مرسيليا ونيس. فمع اقتراب فصل الصيف تتنافس المتاحف وصالات العرض في الجنوب الفرنسي في تقديم النشاطات الجديدة التي تتناسب مع روح العطلة في إطار طبيعي خلاب.
فتحت عنوان "بحر وبوب وشمس"، مجموعة كبيرة من اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية تسترجع أجواء الـ"بوب آرت" مع أبرز رواده وممثليه من جنسيات مختلفة. عنوان المعرض مأخوذ من عنوان أغنية "بحر، جنس وشمس" للمؤلف الموسيقي والمغني الفرنسي الراحل سيرج غينسبورغ حازت شهرة كبيرة بعد إطلاقها عام 1978 وعكست روح مرحلة السبعينات والتوق الى الحرية الفردية.
“ساعة الغروب“ لأندي وارهول.
لا بد من التذكير بأن الـ"بوب آرت" أو الفن الشعبي، هو في الأصل حركة فنية ظهرت أولا في إنكلترا بعد الحرب العالمية الثانية ثم انتشرت في الولايات المتحدة حيث النزعة الاستهلاكية طاغية في المجتمع. يستمد فنانو الحركة موضوعاتهم من الحياة اليومية والثقافة الشعبية في المدن كالإعلانات التجارية والسينما والقصص المصورة، ومن أهدافهم نزع صفة المقدس عن أعمالهم وجعلها في متناول الجميع. من الأكيد أن ظهور آلات النسخ والطباعة وانتشار كاميرات التصوير الفوتوغرافي والإعلانات الصحافية والتلفزيونية، كان من العوامل التي ساهمت في ولادة قيم فنية جديدة عبّر عنها فنانو هذا الاتجاه.
تطالعنا في المعرض لوحات للفنانين الرواد ومنهم الأميركي روي ليختينشتاين (1923-1997) الذي لم يكن فنانا عاديا بل عرف، بألوانه الزاهية وخطوطه الجريئة، كيف يمد الفن الحديث بروح جديدة ألغت الحواجز بين الفن الراقي والفن الشعبي. لوحته المعروضة المنفذة عام 1964، تصور شابة شقراء تبكي وهي تختصر رؤيته للمرأة الأميركية، فهي جميلة وجذابة لكنها تعبر عن ضعفها بالبكاء ولا تسيطر على مشاعرها.
“امرأة تبكي“ لروي ليختيشتاين.
أما أندي وارول (1928-1987) فيحضر من خلال سلسلة من اللوحات تجسد بألوان عذبة جميلة ساعة غروب الشمس: موضوع تقليدي في تاريخ الفنون، وخصوصا خلال المرحلة الرومنسية في القرن التاسع عشر، لكن الفنان الأميركي يمنحه بعدا آخر هنا بفضل تقنية الطباعة الحريرية التي يعود إليه الفضل في الترويج لها في القرن العشرين.
من أندي وارول الى البريطاني ديفيد هوكني (من مواليد عام 1937) أغلى الفنانين سعرا على قيد الحياة اليوم، ونشاهد له لوحة تمثل حوض سباحة في لوس أنجليس، ضمن سلسلة من اللوحات، موضوعها الأساسي حوض سباحة شفاف يهيمن عليه اللون الأزرق، أنجزها الفنان خلال سنوات إقامته الأميركية.
“على شاطئ مدينة نيس“ للمصور مارتين بار.
يعيد بعض فناني القرن العشرين قراءتهم للوحات معروفة من القرن التاسع عشر. تلك حال الفنان الفرنسي ألين جاكي (1939-2008) الذي نشاهد له في المعرض لوحة أنجزها عام 1964 ويسترجع فيها أجواء لوحة "الغذاء على العشب" الشهيرة للفرنسي إدوار مانيه، التي أنجزها عام 1863 وأثارت عند عرضها ضجة كبيرة لتمثيلها امرأة عارية تجلس في الطبيعة وسط رجلين يرتديان ثيابهما بالكامل. أما في لوحة ألين جاكي فنشاهد رجلين مرتديين ثيابهما بالقرب من امرأة عارية أمام حوض سباحة في ضواحي العاصمة باريس. اللوحة تُذكّر بالملصقات الدعائية المستمدة من الثقافة الشعبية وهي تستوحي من الصور الفوتوغرافية ومن فن الـ"بوب آرت".
للإبداع النسائي حضوره المميز في المعرض. للفنانة البلجيكية إفلين أكسيل (1935-1972) لوحة تمثل وجه امرأة تغمض عينيها وهي تأكل بشهية قرن بوظة، معتمدة على الألوان الحارة كالأحمر والأصفر، ومستعيدة أجواء الملصقات الدعائية. تُعتبر الفنانة من أشهر ممثلي تيار الـ"بوب" في أوروبا وهو فن ساعدها بحسب قولها على التحرر من القيم البورجوازية التي تربت عليها في طفولتها. الى ذلك عكست في أعمالها العديد من القضايا السياسية والاجتماعية ومنها رفضها لحرب فيتنام وإيمانها بالتحرر الجنسي لدى النساء.
مؤسسة “فيلا كرمينياك“ في قلب الطبيعة المتوسطية.
الحضور النسائي ممثل أيضا بأعمال الفنانة الأميركية الفرنسية نيكي دو سان فال (1930-2002) التي تميزت بأسلوبها المبتكر بعد تمردها على القيود الاجتماعية والقيم الذكورية. نشاهد مجسماتها النسائية المحلقة في الفضاء. نساء ممتلئات بأزياء البحر، أفخاذ منتفخة وصدور كبيرة ومؤخرات ضخمة ملونة بجرأة مع زخارف هندسية.
لقد عبرت الفنانة عن رؤيتها الخاصة للمرأة والأنوثة ورفضها للصور النمطية المتوارثة منذ آلاف السنين، مع التركيز على الحركة التي تميز منحوتاتها النسائية في إطار من المرح الطفولي، منفتح على الحلم ويواجه العالم وقسوته بالفن والإبداع.
“السباحة في يوم ممطر“ لكيكي كوجنيك.
تقول السيدة آن كارينا أوبوير، وهي مع النمساوي ديتير بوشار من القيمين على المعرض: "تجسد المرأة هنا الخيال والرغبة في الهروب الى الشاطئ ونزعة التحرر الاجتماعي، وهي ديناميكية وُلدت في مرحلة الستينات ولا تزال أصداؤها حاضرة في الفن المعاصر".
في زمن الحروب والعالم على شفير هاوية يأتي معرض "بحر، بوب وشمس" من مكان آخر ليعيد لنا لحظات جميلة تحتفي بالفنون والحب وبالعطلة تحت أشعة الشمس في مؤسسة فنية رائعة مفتوحة على البحر الأزرق، وسط غابات الصنوبر والشربين.








0 تعليق