إيران أم ترامب... من يكسب شطرنج الحرب؟ - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إيران أم ترامب... من يكسب شطرنج الحرب؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 06:54 صباحاً

Checkmate أو "مات الملك". إنها العبارة الأشهر في الشطرنج والمنقولة عن الفارسية: "شاه مات". انتقلت اللعبة إلى بلاد فارس بعدما نشأت في الهند حيث كانت عبارة "شاتورانغا" تعني الفِرق الأربع للجيش (المشاة والفرسان والفيلة والعربات الحربية).

 

في جميع الأحوال، يبدو أن للإيرانيين بصمة واضحة على لعبة الشطرنج. فهل ينقلون تلك البصمة إلى الميدان؟ وهل يمكن أصلاً نقلها إلى الميدان؟

 

في الظاهر، هو أمر ممكن. وقد تكون دروس اللعبة قابلة للتطبيق حتى في مجالات بشرية أخرى. لبطل الشطرنج الأسطوري غاري كاسباروف كتاب شهير يذهب في هذا السياق: "كيف تقلّد الحياة الشطرنج: الحياة لعبة، اِلعب لتفوز" (طبعة أولى 2008). فهل تفوز إيران في لعبتها، أم يحقق ترامب المفاجأة؟

 

شطرنج إيران... 4 مفاتيح قوة

في مدوّنته على "سابستاك" الشهر الماضي، قارن محلل الاستخبارات الجيوسياسية كريس تاونسيند بشكل ملهم بين الشطرنج والحرب على إيران. انطلق تاونسيند من مفاتيح القوة الأساسية للّعبة وهي عدد "الأحجار" (بين بيادق وقِطع) و"موقعها" تجاه بعضها البعض وتجاه الملك-الخصم، و"النقلة المحوّلة" (Tempo) التي تجبر الخصم على الرد بدلاً من الاختيار، و"المبادرة" الطويلة المدى.

 

كسب الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليد العليا في المبادرة الافتتاحية. هنا، يجد المدافع نفسه مخيّراً بين خطوات سيّئة. قارن تاونسيند هذا المشهد بالمباراة السادسة من بطولة العالم للشطرنج سنة 1972 بين الروسي بوريس سباسكي والأميركي بوبي فيشر حين انتصر الأخير على وقع تصفيق الأول. فللمرة الأولى في بطولة رسمية، اختار فيشر انطلاقة غير تلك التي اعتاد عليها، فعطّل خطط خصمه. (ثمّة فيلم عن فيشر وهذه البطولة تحت عنوان "التضحية بالبيدق" Pawn Sacrifice، 2014).

 

بطلا الشطرنج العالميان السابقان بوبي فيشر (يمين) بمواجهة بوريس سباسكي في واحدة من أبرز المواجهات التاريخية. (أ ب)

بطلا الشطرنج العالميان السابقان بوبي فيشر (يمين) بمواجهة بوريس سباسكي في واحدة من أبرز المواجهات التاريخية. (أ ب)

 

كذلك، لم يكن رد إيران العشوائي، أي بقصف كل شيء تحت متناولها، حاسماً كما بدا، بل آخر خيار تبقى لها. نظرياً، وكما يقول مدرّبو اللعبة للمبتدئين: "إذا كانت لديك نقلة واحدة فقط، فالنقلة ليست نقلتَك فعلاً". عملياً، هي خسرت ثقة دول الخليج العربي التي بنتها معها طوال عقود.

 

وتشبه سرعة ترامب في التحرك ما حدث في بطولة للشطرنج سنة 1960 حين ولّدت النقلات العشوائية لميخائيل تال تشويشاً فكرياً لدى منافسه ميخائيل بوتفينيك (لُقّب بـ "بطرك" الشطرنج السوفياتي بحسب كاسباروف) مما أدى إلى هزيمته.

 

تال (يمين) بمواجهة بوتفينيك، 1960. (الاتحاد الدولي للشطرنج)

تال (يمين) بمواجهة بوتفينيك، 1960. (الاتحاد الدولي للشطرنج)

 

مع ذلك، وانطلاقاً من أن الأحجار هي الأقل أهمية في الشطرنج عادة، لاحظ تاونسيند أن إيران تحتفظ بميزة "الموقع" التي "تبقيها في اللعبة"، أي مضيق هرمز. وأضاف: "لا يمكن إلحاق الهزيمة بإيران طالما أنها قادرة على إغلاق المضيق".

 

بالفعل، ذكر كاسباروف في كتابه أن عدد الخطوات التي تمكن من احتسابها مقدّماً ارتبط بالموقع الذي وجد نفسه فيه خلال اللعبة.

 

إيران أم ترامب... من سيربح؟

 

بالرغم من أن المبادرة كانت نسبياً بيد ترامب، يحاول الحرس الثوري انتزاع هذه الورقة. لذلك، خيّرت استخبارات الحرس مؤخراً الرئيس الأميركي بين إبرام "اتفاق سيئ" أو استئناف الحرب. كلا الخيارين سيئ بالنسبة إلى الأميركيين، لكن الاتفاق قد يكون الأقل سوءاً إذا كانت نتيجته خفض التضخم.

 

هنا، يحاول "الحرس الثوري" حثّ ترامب على التعجيل بإطلاق "النقلة" التالية، على أمل أن تكون متهورة، وبالحد الأدنى، آخر نقلة تصعيدية. إذا لجأ ترامب إليها، فسيكون كلاعب شطرنج يصل إلى موقع يصبح كلّ تحرّك فيه أكثر كلفة.

 

زورق سريع للحرس الثوري، 2012 (أ ب)

زورق سريع للحرس الثوري، 2012 (أ ب)

 

الحقيقة أن ترامب ليس مضطراً للتحرك، بفعل حصاره البحري الخانق. فما هو على المحك لدى الولايات المتحدة وإيران واضح: خطر التضخم لدى الأولى مقابل خطر الانهيار الاقتصادي لدى الثانية. لكن الرهان الإيراني على أن ترامب دائم الاستعجال، وهذه نقطة ضعفه. على أي حال، حتى الهجوم العسكري الأميركي المحتمل، ولو لم يكسر الجمود، قد لا يحمل ترامب على التراجع عن حصاره. على العكس، ستظل إيران في مواجهة الحصار، لكن من موقع أكثر ضعفاً.

 

من هنا، يستحق "مشروع الحرية" الذي أطلقه ترامب مؤخراً لتحرير سفن عالقة في مضيق هرمز متابعة خاصة. هل تسمح إيران بإتمام هذا المشروع من دون مضايقة سفن ترامب؟ وإذا سمحت بذلك، هل ينظر ترامب إلى هذه الخطوة باعتبارها نقطة ضعف إيرانية؟

ويمكن القول إن إيران عاودت الاعتداء مساء الاثنين على الإمارات العربية المتحدة للتعويض عن ضعفها أمام الأميركيين.

 

وتحاول إيران أيضاً تشتيت انتباه ترامب عن مكامن القوة الأساسية لديها، وهي "قطع" مهمة لا تزال تحتفظ بها، وفي مقدّمها برنامج الصواريخ والمسيّرات. في الواقع، قد يشبه هذا البرنامج قطعة "الملكة"، وهي القطعة الأقوى في الشطرنج.

 

 

ملكتان، واحدة بيضاء وأخرى سوداء على لوحة شطرنج. تساوي الملكة تسعة بيادق. (أنسبلاش)

ملكتان، واحدة بيضاء وأخرى سوداء على لوحة شطرنج. تساوي الملكة تسعة بيادق. (أنسبلاش)

 

وكل التركيز الإيراني اليوم لا يصبّ في مصلحة إبعاد هذه القطعة عن اهتمام ترامب وحسب، بل ينصبّ أيضاً على تفكيك المسارات بين كلّ من مضيق هرمز والبرنامج النووي والبرنامج الصاروخي. هنا، قد تحاول إيران "التضحية الموقتة بالقطعة النووية" (المتآكلة الآن) للحفاظ على القطع الأهم، وهي البرنامج الصاروخي، وبشكل مثالي، التحكم الدائم بمضيق هرمز، على أن تستعيد برنامجها النووي بعد عقود.

 

أخيراً، تبقى لعبة الشطرنج محاولة تقريبية لفهم الحرب الإيرانية، فقط لا غير. في الواقع، حتى كاسباروف يشدد في كتابه على أنه يحاول قراءة الحياة عبر عدسة الشطرنج لأنها اختصاصه، ويشير في الوقت نفسه إلى أن عدسات (مقاربات) أخرى يمكن أن تكون صحيحة. فنقاط الاختلاف بين الشطرنج والحروب جليّة.

 

غاري كاسباروف يلعب الشطرنج في إسبانيا بعد اعتزاله، 2009. (أ ب)

غاري كاسباروف يلعب الشطرنج في إسبانيا بعد اعتزاله، 2009. (أ ب)

 

في اللعبة قوانين واضحة ومواقيت دقيقة لانطلاق البطولات إلى جانب تكافؤ القوى في البداية. وهذه السمات غائبة بمعظمها عن ميادين القتال الحقيقية. "النقاط المجهولة غير المعلومة" (unknown unknowns) هي أبرز السمات وأشدها طغياناً في عالم الحروب، والحياة ككل.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق