نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المعضلة الصينية على تخوم هرمز!! - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 08:56 مساءً
لم تعد الحروب في عالم اليوم تُقاس بعدد الجيوش أو بحجم الترسانات العسكرية فقط، بل بمدى السيطرة على الممرات البحرية وخطوط الطاقة وشبكات التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كأحد أخطر مفاتيح الصراع الدولي، ليس لضيق مياهه، بل لاتساع تأثيره على الاقتصاد العالمي وتوازنات القوى الكبرى.
منذ نهاية الحرب الباردة، تبدّلت خرائط الصراع. تراجعت المواجهات المباشرة بين القوى العظمى، وصعدت بدلاً منها حروب الوكالة والتحالفات المرنة والتدخلات غير المباشرة تحت عناوين متعددة ومع ذلك، ظل جوهر الصراع ثابتًا: النفوذ، والسيطرة، وإعادة تشكيل موازين القوة.
ومع الصعود الصيني المتسارع، دخل العالم مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ. لم تعد بكين مجرد قاعدة صناعية كبرى، بل تحولت إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية تبحث عن ترجمة سياسية تعكس وزنها المتنامي.
وفي هذا الإطار، يكتسب الخليج العربي أهمية استراتيجية متزايدة في الحسابات الصينية، باعتباره أحد أهم منابع الطاقة وشريانًا حيويًا للتجارة الدولية.
تعتمد الصين بدرجة كبيرة على واردات النفط القادمة من الخليج، ويعبر جزء رئيسي منها عبر مضيق هرمز. لذلك، فإن أي توتر في هذه المنطقة لا يُنظر إليه في بكين كأزمة إقليمية بعيدة، بل كتهديد مباشر لأمنها الاقتصادي واستقرارها الداخلي. ولهذا تتعامل القيادة الصينية مع تطورات الخليج بحذر شديد، مفضّلة خطابًا دبلوماسيًا متوازنًا يجنّبها الانخراط المباشر في التوترات.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى أمن الملاحة في المضائق الدولية باعتباره جزءًا من هيبتها الاستراتيجية. فالوجود البحري الأمريكي لا يهدف فقط إلى الردع العسكري، بل إلى ضمان استمرار النظام التجاري العالمي ضمن إطار النفوذ الأمريكي. ومن ثم، فإن أي خلل في معادلة السيطرة على مضيق هرمز يُعد في واشنطن تحديًا مباشرًا لمكانتها الدولية.
هنا تتجلى المعضلة الصينية بوضوح: الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت معادلة الردع البحري، وإيران توظف موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية، بينما تحتاج الصين إلى استقرار المضيق دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. إنها معادلة دقيقة لقوة صاعدة تعتمد على الاستقرار، لكنها تتحرك في بيئة دولية تتجه نحو مزيد من التوتر.
لقد اعتمدت الصين طوال عقود على استراتيجية “التمدد الهادئ”، القائمة على الاقتصاد والاستثمار وتجنب الصدام المباشر، غير أن اتساع المصالح الخارجية يفرض تحديات جديدة: حماية طرق الإمداد، وتأمين الممرات البحرية، وضمان استقرار الشركاء، ومع هذا التوسع، يتقلص هامش الحياد تدريجيًا.
على الصعيد الداخلي، يستند النموذج الصيني إلى شرعية الإنجاز الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، إلا أن تباطؤ النمو، وتصاعد التنافس مع الغرب، والضغوط التكنولوجية والتجارية، كلها عوامل تدفع بكين إلى إعادة تعريف دورها الخارجي.
فالقوة الاقتصادية، حين تبلغ مرحلة متقدمة، تسعى بطبيعتها إلى ترجمة نفوذها سياسيًا وأمنيًا.
لذلك، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الصين ستنخرط في قلب الصراع الدولي، بل كيف ومتى سيحدث ذلك، وهل ستنجح في الحفاظ على نموذجها القائم على النفوذ الهادئ، أم ستُدفع تدريجيًا إلى مسار المواجهة كما حدث مع قوى صاعدة في مراحل تاريخية سابقة؟
الأخطر في مشهد مضيق هرمز ليس اندلاع حرب شاملة، بل احتمال وقوع خطأ غير محسوب: حادث بحري، اعتراض ناقلة، أو سوء تقدير سياسي، مثل هذه الشرارات قد تفتح باب تصعيد يصعب احتواؤه، خاصة في عالم مترابط تتجاوز فيه تداعيات الأزمات حدود الجغرافيا لتصل سريعًا إلى الطاقة والأسواق والغذاء والاستقرار العالمي.
في المحصلة، تبدو مياه هرمز انعكاسًا مكثفًا للمشهد الدولي: قوة أمريكية تسعى للحفاظ على موقعها، قوة صينية تصعد بحذر، وقوى إقليمية توظف الجغرافيا لتعظيم نفوذها. وبين هذه التفاعلات، يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة قد تُرسم خرائطها في المضائق البحرية أكثر مما تُرسم في المؤتمرات السياسية.
فالقرن الحادي والعشرون لن تصنعه الدولة الأقوى فقط، بل الدولة الأقدر على إدارة الصراع دون أن تُشعل العالم.!!
«محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث متخصص في الشؤون الجيوسياسية والصراعات الدولية»

















0 تعليق