نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الإمارات والسعودية: لا تابع ولا متبوع - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 04:13 مساءً
علاقة الشراكة والأخوة بين الدول يفترض أن لا تقوم على مبدأ تابع ومتبوع، بل على الثقة والاحترام المتبادلين وعلى تقسيم عمل متفق عليه يحدد مجالات التفاهم والتعاون. كان هذا هو أساس التحالف الإماراتي- السعودي تجاه الملف اليمني الذي استمر بنجاح لأكثر من عشر سنوات. كان المسؤول والضابط والجندي من الجانبين شريكين يعملان في خندق واحد إلى أن استجد فجأة خلاف وتصعيد إعلامي غير متوقع، ولا يمكن توقع كم سيدوم حول الملف اليمني المعقد وربما ملفات إقليمية أخرى.
يشكل الملف اليمني بشكل خاص، واحداً من أعقد الملفات الإقليمية، بسبب الانقسام اليمني الداخلي الحاد، وتباين مقاربات الحلفاء أنفسهم، وفي مقدمتهم الإمارات والسعودية. ورغم أن الدولتين دخلتا اليمن ضمن تحالف واحد وهدف معلن هو إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الشرعية وفق القرار الأممي رقم 2216 الصادر في نيسان/أبريل 2015، فإن مسار الأحداث قاد إلى تباينات سياسية وعسكرية، تجلّت أخيراً في الخلاف حول ما جرى في حضرموت والمهرة في كانون الأول/ ديسمبر 2025، والذي انعكس سلباً على قضية الجنوب العربي العادلة.
ينطلق شعب الجنوب اليمني العربي من مسلّمة مركزية مفادها أن ما حدث عام 1994 لم يكن توحيداً طوعياً بقدر ما كان احتلالاً فرض بالقوة، وأن الجنوب، الذي كان دولة مستقلة ذات سيادة حتى عام 1990، تعرّض لاجتياح عسكري ألغى شراكته السياسية وكرّس شعوراً عميقاً بالظلم والإقصاء. ومنذ ذلك التاريخ، تراكمت ممارسات رسخت في وعي الشعب الجنوبي ووجدانه فكرة "الاحتلال" لا "الوحدة"، وصولاً إلى اندلاع الحراك الجنوبي ثم بروز المجلس الانتقالي الجنوبي في 11 أيار/ مايو 2017 كحامل لواء استعادة دولة الجنوب العربي.
في المقابل، جاء انقلاب الحوثيين عام 2014 ليقلب المشهد اليمني رأساً على عقب، وأدخل اليمن بأسره في مسار تفكك بنيوي. منذ تلك اللحظة، بات الحديث عن دولة يمنية واحدة موحّدة أقرب إلى وهم غير قابل للتحقق، في ظل سيطرة الحوثي على الشمال، وتشرذم القوى المناوئة له، وضعف الحكومة الشرعية في المنفى.
دخلت الإمارات والسعودية هذا المشهد كشريكين رئيسيين في تحالف دعم الشرعية الذي تكون من 10 دول لم يبق منه سوى السعودية والحكومة اليمنية في المنفى. قدّمت كلا الدولتين الحليفتين أثماناً بشرية ومالية وسياسية باهظة، وكان الثمن الذي قدمته الإمارات غير مسبوق في تاريخها، بخاصة لجهة عدد شهداء قواتها المسلحة الذي بلغ 59 شهيداً. غير أن رؤية الشريكين في التحالف العربي أخذت في التباعد بعد قرار الإمارات الانسحاب العسكري من المشهد اليمني سنة 2019. وجاء اتفاق الرياض وتشكيل المجلس القيادي الرئاسي في 7 نيسان/أبريل 2022، لتوحيد الصف من جديد وتوجيه البوصلة نحو الشمال لتحرير صنعاء من سيطرة جماعة الحوثي. لكن سرعان ما اتضح أن هذا المجلس ولد ليموت، في ظل عجزه التام عن التقدم عسكرياً شبراً واحداً نحو صنعاء.
هنا بدأت تتبلور ملامح التباين الإماراتي-السعودي في الملف اليمني بشكل أوضح. فالإمارات رأت أن المشهد اليمني الجديد يفرض التعامل بواقعية سياسية مع إرادة شعبية جنوبية تطالب باستعادة دولتها المستقلة التي كانت قائمة قبل 1990، في حين تمسكت السعودية بموقف أقرب إلى الوهم بدولة يمنية دخلت متاهات التجزئة من دون رجعة بسبب الانقلاب الحوثي في المقام الأول. وهكذا تحوّل الخلاف من تباين في الرؤية إلى خصومة، غذّتها جماعات لا مصلحة لها في تماسك التحالف الإماراتي- السعودي.
ورغم حدة الحملة الإعلامية الموجهة نحو الإمارات، فإن ما يجري حالياً بين الإمارات والسعودية يقع ضمن "الشجار بين حلفاء" المعهود. فالحلفاء يتشاجرون أحياناً وسرعان ما يتصالحون. لذلك وفي خطوة تصالحية أعلنت الإمارات سحب ما تبقى من قواتها في الجنوب العربي في كانون الثاني/ يناير 2026 وقررت تسليم ملف الجنوب العربي كلياً ونهائياً إلى الأشقاء في السعودية. وأكدت الإمارات أن قرار الانسحاب نابع من حرصها على عدم تعميق التوتر مع الأخ الأكبر. اختارت الإمارات التهدئة وغلبت المصلحة الخليجية ولم ترد على الضجيج بالضجيج، بل آثرت الابتعاد عن المهاترات الإعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي.
والحق أن الإمارات لم تكن تتصور أن الأخ والشريك والحليف السعودي الذي وقفت معه جنباً إلى جنب وفي خندق واحد، يختلق فجأة العداوة والخصومة، وتوجيه اتهامات مجانية، وأخذ يدور في فلك نظرية المؤامرة، بل ويشكك في نوايا حليفه وسنده الإماراتي الذي قدم من التضحيات ما لم يقدمه أي شريك آخر.
يبقى جوهر المسألة أن قضية الجنوب العربي لم تُخلق بقرار إماراتي، بل هي نتاج تاريخ طويل من الإقصاء والحروب والخيبات، وينطلق من مطالب محقة بحق تقرير المصير. لذلك فإن الخلاف الإماراتي-السعودي، مهما كان حجمه، فإنه يدور حول كيفية إدارة ملف الجنوب العربي والملف اليمني عموماً بواقعية سياسية ومن خلال الحوار المباشر والصريح بين أهم وأكبر شريكين خليجيين.
قد يكون الخلاف السعودي- الإماراتي مجرد خلاف تكتيكي عابر كما نقل عن مسؤول سعودي، لكنه قد يعبر أيضاً عن معضلة أعمق من عدم الثقة كما توحي بذلك الحملات الإعلامية الصاخبة في الإعلام السعودي التقليدي منه والجديد. وقد تكون للخلاف علاقة بعقدة الأخ الأكبر الذي يرغب في فرض إرادته ووصايته على حليف لا يؤمن بالوصاية ولا يخضع لمنطق التابع والمتبوع. لقد أكدت الإمارات أنها شريك يعتد به وحريص على استقلال قراره الاستراتيجي، ولا يساوم على سيادته ولا يؤمن بشراكة آحادية قائمة على فكرة تابع ومتبوع.
بين عقم جدلية التابع والمتبوع، والمبالغة في الخصومة الإعلامية الموجهة ضد الإمارات وسمو الإعلام الإماراتي عن الرد على تلك الحملة بمثلها، يظل التحالف الإماراتي-السعودي مطالباً بإدارة تبايناته الآنية بالحكمة والتهدئة وهو ما تسعى إليه الإمارات. فما يجمع أبوظبي والرياض من علاقات أخوية وتاريخية ومصالح استراتيجية وأمنية يفوق بكثير ما يفرّقهما حول ملفات إقليمية ساخنة، بخاصة التعامل مع الملف اليمني الشائك، وبالأخص مع قضية الجنوب العربي العادلة التي تبدو، رغم الانتكاسات الأخيرة راسخة في قلوب نحو 6 ملايين نسمة تواقين لتأسيس دولتهم المستقلة ووجدانهم .
.









0 تعليق