نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الإنترنت الميت وضجيج الخوارزميات - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 09:03 صباحاً
تُظهر قراءة متأنية لسلوك المنصات الرقمية أن التفاعل لم يعد نتاجاً طبيعياً للاهتمام العام، بل نتيجة تصميم تقني محسوب بدقة. فخلف الأرقام المرتفعة للإعجابات والتعليقات، تعمل أنظمة آلية على إنتاج الحركة واستدامتها. وفي هذا الإطار، تشير تقديرات باحثين في علم البيانات، ضمن ما يُعرف بـ"نظرية الإنترنت الميت"، إلى أن ما يقارب 60 في المئة من النشاط اليومي على الشبكة مصدره برامج آلية تحاكي السلوك البشري.
هذه الروبوتات لا تدخل النقاشات بهدف الإقناع أو تبادل الرأي، بل تُستخدم كأدوات لإدارة الانفعال. فالغضب يظل أكثر المشاعر قابلية للتدوير الخوارزمي، وأكثرها قدرة على توليد التفاعل. تعليق سياسي حاد أو منشور استفزازي يكفي لإبقاء المستخدم أطول وقت ممكن داخل المنصة، حيث يتحول التفاعل من وسيلة تواصل إلى هدف مستقل، على حساب الوقت والاتزان النفسي.
في مجال الاستهلاك الرقمي، تتخذ الظاهرة بعداً عملياً أكثر وضوحاً. فعدد غير قليل من التقييمات الإيجابية للمنتجات والخدمات يصدر عن حسابات آلية صُممت لبناء ثقة مصطنعة وتوجيه قرارات الشراء. هذا الشكل من "التزييف المنهجي" لا يستنزف المال فحسب، بل يضعف الثقة العامة في الفضاء الرقمي.
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
حتى المساحات التي يُفترض أنها تعكس نقاشاً تلقائياً لم تعد بمنأى عن هذا الاستخدام الوظيفي. فبعض المنشورات تُنشأ خصيصاً لاستدراج التعليقات، التي تُستخدم لاحقًا في تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على محاكاة اللغة البشرية دون امتلاك فهم أو إدراك.
في ظل هذا الواقع، يصبح الوعي بأسلوب الاستهلاك الرقمي ضرورة عملية لا خطاباً أخلاقياً. الانتباه إلى طبيعة المحتوى، وحجم الوقت المخصص له، وتأثيره النفسي، يمثل حداً أدنى من الدفاع الذاتي في بيئة صُممت أساساً لتعظيم التفاعل لا لصون الإنسان.











0 تعليق