نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الذكاء الاصطناعي بين الإقتصاد والحروب - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 26 يناير 2026 07:22 صباحاً

أميرة صلاح عبد الحكيم
أميرة عبد الحكيم
يشهد النظام الدولي تحوّلًا جذريًا في طبيعة الصراعات بين الدول، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الأبعاد العسكرية أو السياسية التقليدية، بل انتقلت بشكل متسارع إلى المجال الاقتصادي مدفوعة بالتطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية، ووسيلة غير مباشرة لفرض الهيمنة وتعميق الفجوات بين الدول المتقدمة والدول النامية.
في هذا السياق، تستخدم الدول الكبرى الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها التنافسية عبر التحكم في سلاسل الإمداد العالمية، وتحليل الأسواق، والتنبؤ بالأزمات المالية، واتخاذ قرارات اقتصادية دقيقة تفوق القدرات البشرية التقليدية. كما باتت الخوارزميات المتقدمة عنصرًا أساسيًا في إدارة التجارة الدولية، وأسواق المال، والسياسات الصناعية، ما يمنح الدول المالكة لهذه التقنيات ميزة نسبية يصعب على غيرها مجاراتها.
وتتجلى الصراعات الاقتصادية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في التنافس على البيانات، التي تُعد “النفط الجديد” للاقتصاد الرقمي. فالدول القادرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات تستطيع توجيه الاستثمارات العالمية، والتأثير في تدفقات رأس المال، واحتكار الابتكار التكنولوجي. ويؤدي ذلك إلى نشوء أنماط جديدة من الصراع غير المرئي، حيث تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في التلاعب بالأسواق، وفرض العقوبات الذكية، وحتى شن حروب اقتصادية رقمية دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة.
أما بالنسبة للدول النامية، فإن هذه التحولات تفرض تحديات بنيوية عميقة. فضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الكفاءات البشرية المتخصصة، والاعتماد الكبير على التكنولوجيا المستوردة، يجعل هذه الدول أكثر عرضة للتهميش في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمخاطر الائتمانية والتجارية قد يؤدي إلى إقصاء الدول النامية من فرص التمويل والاستثمار، نتيجة تصنيفات خوارزمية غير عادلة تعكس مصالح الدول المهيمنة.
إضافة إلى ذلك، يسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج علاقات التبعية الاقتصادية، حيث تصبح الدول النامية مستهلكة للتقنيات بدلًا من منتجة لها، ما يعمق فجوة التنمية الرقمية. كما أن الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تهدد قطاعات واسعة من سوق العمل في هذه الدول، خاصة تلك المعتمدة على العمالة منخفضة المهارات، الأمر الذي يفاقم معدلات البطالة وعدم الاستقرار الاجتماعي.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من فرص محتملة. إذ يمكن للدول النامية، في حال تبني سياسات ذكية، توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة الاقتصاد، وتحسين إدارة الموارد، ودعم اتخاذ القرار الاقتصادي، شريطة الاستثمار في التعليم الرقمي، وبناء أطر تنظيمية تحمي السيادة الرقمية، وتعزز التعاون الإقليمي في مجال التكنولوجيا.
جملة القول، إن الصراعات الدولية باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الاقتصادي تمثل شكلًا جديدًا من أشكال القوة في النظام الدولي المعاصر. وبينما تستفيد الدول المتقدمة من هذه التحولات لتعزيز نفوذها، تواجه الدول النامية تحديًا وجوديًا يتطلب إعادة تعريف استراتيجياتها التنموية، حتى لا تتحول إلى ضحايا دائمة لحروب اقتصادية رقمية غير متكافئة.

















0 تعليق