25 يناير.. عيد قديسي الوطنية المصرية - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
25 يناير.. عيد قديسي الوطنية المصرية - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 01:22 مساءً

لم يكن الخامس والعشرون من يناير يومًا عابرًا في الذاكرة الوطنية، بل تاريخًا بالغ الدلالة، تتقاطع فيه فكرة الدولة مع معنى التضحية، ويتجسد فيه مفهوم الأمن بوصفه فعلًا وطنيًا لا وظيفة إدارية، هو عيد الشرطة، وعيد رجال اختاروا أن يقفوا في الصف الأول دفاعًا عن كيان الدولة، لا عن نظام، وعن الوطن، لا عن سلطة.

تأسس جهاز الشرطة المصرية عام 1805 مع نشأة الدولة الحديثة على يد محمد علي باشا، كأحد الأعمدة الرئيسية لبناء الدولة المركزية، إلى جوار الجيش والقضاء، لم يكن الهدف مجرد حفظ النظام، بل حماية المجتمع من التفكك، وتأمين الداخل باعتباره خط الدفاع الأول عن بقاء الدولة، ومنذ ذلك التاريخ، خاضت الشرطة معارك صامتة لا تقل ضراوة عن معارك الجبهات، في مواجهة الجريمة، والتخريب، ومحاولات إسقاط الدولة من الداخل.

ومع تطور طبيعة التهديدات، نشأ جهاز أمن الدولة في أربعينيات القرن الماضي، ثم تطور عبر عقود ليصبح العقل التحليلي والذراع الاستباقية للدولة في مواجهة التنظيمات السرية، وشبكات الاختراق الأيديولوجي، والمشروعات العابرة للحدود، هذا الجهاز، الذي يُعرف اليوم باسم جهاز الأمن الوطني، لم يكن أداة قمع كما رُوّج، بل أداة حماية عميقة، تعمل في الظل، وتمنع الانفجار قبل وقوعه.

منذ بداية التسعينيات، دخلت الدولة المصرية مرحلة ضعف حقيقي، ترهل في مؤسسات الحكم، تراجع في الفاعلية السياسية، واهتزاز في هيبة الدولة. كانت مصر تقترب من حافة الانهيار، لولا أن أجهزة الأمن الداخلية، وعلى رأسها جهاز أمن الدولة، شكّلت مع نفوذ اجتماعي تقليدي للعائلات الكبرى السد الأخير الذي منع السقوط الكامل للدولة.

في تلك المرحلة نفسها، كانت جماعة الإخوان قد أحكمت سيطرتها على ما يمكن تسميته بـ «القاع الاجتماعي»: الاقتصاد الشعبي، النقابات المهنية، الجمعيات، والمجالات الرمادية خارج سيطرة الدولة، اخترقوا كل شيء تقريبًا، إلا جهازًا واحدًا ظل عصيًا على الاختراق: جهاز الشرطة، وخصوصًا جهاز أمن الدولة، هنا تحديدًا بدأت المعركة الحقيقية، وهنا تشكل مشروع الشيطنة الممنهج.

ولم تكن جماعة الإخوان في هذا السياق سوى أداة محلية داخل مخطط إقليمي أوسع استهدف تفكيك الدول الوطنية من الداخل. التقت مصلحة التنظيم مع أهداف ما سُمّي بـ «الشرق الأوسط الجديد»: إضعاف أجهزة الأمن الداخلية قبل الجيوش، وكسر الثقة بين الدولة وشعوبها، تمهيدًا للفوضى. ومن ثم لم يكن استهداف الشرطة، ولا شيطنتها، فعلًا عشوائيًا، بل خطوة محسوبة في مشروع خراب منظم.

لم تكن أحداث يناير 2011 منفصلة عن هذا السياق، فحرق مقرات الشرطة، وتدمير منشآت أمن الدولة بعد هذا التاريخ، لم يكن تعبيرًا عن غضب عابر، بل محاولة مقصودة لطمس الذاكرة، وكسر العمود الفقري للدولة، وتحطيم جهاز يعرف أكثر مما ينبغي. كان المطلوب إسقاط الجهاز القادر على كشف الشبكات، وقطع الطريق على المخطط قبل اكتماله.

وحين وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم، انكشفت النوايا بلا مواربة. جرت محاولات واضحة للسيطرة على جهاز الشرطة عبر مليشيات موازية، ومحاولات ممنهجة لتجريف جهاز أمن الدولة من كوادره الأهم، وإقصاء رجاله، وتفريغه من خبراته، في صراع لم يكن سياسيًا، بل صراع وجود بين الدولة والتنظيم.

لكن ما لم يُحسب بدقة، أن جهاز الأمن الوطني أعاد بناء نفسه بعقيدة أكثر احترافًا، وأقل ضجيجًا، وأكثر وعيًا بطبيعة المخطط. وقف هذا الجهاز في صمت بالمرصاد لأهداف المشروع، لا بالشعارات، بل بالمعلومة، والضربة الاستباقية، والنَفَس الطويل. ولهذا ظل - ولا يزال - العدو اللدود لكل من يسعى لهدم الدولة المصرية من الداخل.

وفي هذا السياق، لا يكتمل الحديث عن عيد الشرطة، ولا عن بطولات جهاز الأمن الوطني، دون التوقف أمام الاستحقاق العادل لرجال يدفعون أعمارهم ثمنًا للأمن، إن المطالبة برفع رواتب رجال الشرطة، وعلى رأسهم رجال الأمن الوطني، لم تعد مطلبًا فئويًا أو ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية ملزمة تتناسب مع حجم الدور، وضخامة المخاطر، وجسامة التضحيات.

فهؤلاء الرجال ليسوا موظفين بدوام محدد، بل متزوجون من الوطن، ملتصقون به ليلًا ونهارًا. يعيشون بعيدًا عن أسرهم، وتغيب عنهم مناسبات إنسانية فارقة، فرح ابن، مرض أب، جنازة قريب، أو لحظة أسرية لا تُعوّض، لأن الواجب الوطني لا يعرف الاعتذار، كثيرون منهم يعملون في صمت، بأسماء غير معلنة، وحياة منقوصة، حمايةً للدولة ولأسرهم معًا.

إن رفع رواتب هؤلاء الرجال بشكل كبير وحقيقي ليس منحة، بل تحصين للدولة ذاتها، تحصين ضد الاستنزاف، وضد الضغوط، وضد شعور غير عادل بأن التضحية لا تُقابل بما يليق بها، الدولة القوية هي التي تُنصف من يحرسها، وتُؤمّن من يؤمّنها، وتدرك أن الأمن ليس لافتة، بل رجالًا من لحم ودم.

25 يناير، إذن، ليس مجرد عيد للشرطة، بل يوم كاشف، كاشف لمن صمد، ولمن تآمر. لمن حمى الدولة من الانهيار، ولمن راهن على خرابها. هو عيد قديسي الوطنية المصرية، أولئك الذين وقفوا في الظل، ودفعوا الثمن، ليبقى هذا الوطن قائمًا، مهما اشتدت العواصف.

اقرأ أيضاً
بمناسبة عيد الشرطة الـ 74.. الداخلية تفتح مستشفياتها للكشف المجاني على المواطنين

احتفالات عيد الشرطة الـ 74.. «الداخلية» تطلق أغنية بعنوان «أبطال وأسود»| فيديو

موعد إجازة 25 يناير 2026 بعد قرار مجلس الوزراء

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق