نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قراءة في ما وراء خطاب الرئيس السيسي.. حين تتحول احتفالية إلى وثيقة استراتيجية - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 12:33 مساءً
لم يكن خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة مجرد كلمة تهنئة بروتوكولية في مناسبة وطنية، بل جاء - في بنيته العميقة - أقرب إلى وثيقة دولة شاملة لإدارة الوعي، وتحديد التهديدات، وإعادة تعريف مفهوم الأمن والشرعية في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
فالخطاب، إذا قُرئ خارج مستواه الظاهر، يكشف عن هندسة سياسية واعية تتجاوز الإطار الاحتفالي إلى بناء سردية استراتيجية متكاملة.
من خطاب مناسبة إلى خطاب دولة
يستخدم الخطاب مناسبة “عيد الشرطة” كمنصة رمزية لإطلاق رسائل تتجاوز المؤسسة الأمنية إلى الدولة بأكملها.
فالمقدمة الدينية وتمجيد الشهداء لا تؤدي وظيفة وجدانية فقط، بل تؤسس لما يمكن تسميته بـ الشرعية الأخلاقية، أي خلق أرضية قيمية تجعل أي نقاش لاحق حول الأمن أو الاستقرار مشبعاً مسبقاً بمعاني التضحية والوفاء والانتماء.
بهذا المعنى، فإن الخطاب يبدأ من “المقدس” (الدين والشهداء)، لينتقل إلى “الضروري” (الأمن)، وينتهي بـ “الممكن” (التنمية والإصلاح)، في تسلسل ذكي يُعرف في الأدبيات السياسية بـ سُلّم الشرعية.
إعادة تعريف الأمن: من القبضة إلى الوعي
أحد أكثر التحولات الفكرية عمقاً في الخطاب هو نقله مفهوم الأمن من كونه وظيفة أجهزة، إلى كونه منظومة وعي مجتمعي.
حين يؤكد الرئيس أن حماية الدولة ليست بالإجراءات الأمنية فقط، بل بالمساجد والكنائس والجامعات والمدارس والإعلام، فإنه يقوم بعملية إعادة تأطير معرفي لمفهوم الأمن ذاته.
هنا نحن أمام ما يمكن تسميته أكاديمياً بـ أمننة الوعي أي تحويل الوعي الجمعي إلى قضية أمن قومي، بحيث يصبح الجهل أو التضليل أو الاستهلاك غير النقدي للمحتوى الرقمي تهديداً يعادل الإرهاب أو الفوضى.
وهذا تطور لافت في خطاب الدولة الحديثة، حيث لم يعد الخطر مادياً فقط، بل إدراكياً وسردياً.
خريطة التهديدات كما يرسمها الخطاب
الخطاب يبني تصوراً متعدد الطبقات للتهديد:
1- تهديد عالمي: عالم مضطرب، صراعات موارد ونفوذ، وانهيار محتمل لمنظومة القانون الدولي.
2- تهديد إقليمي: تفكيك الدول، الميليشيات، الكيانات الموازية للجيوش.
3- تهديد معرفي: الشائعات، الذكاء الاصطناعي، فبركة السياقات.
4- تهديد داخلي: التطرف، الاستقطاب، تآكل الثقة.
هذه ليست مجرد توصيفات، بل تشكل ما يمكن تسميته مصفوفة تبرير سياسي، كل تهديد يقابله مسار سياسات: تشريعات، تعبئة وعي، ضبط المجال الرقمي، وتعزيز دور المؤسسات.
وهنا تحديداً يطرح الخطاب سؤالاً ضمنياً بالغ الخطورة:
من المسؤول عن هذا الخراب الإقليمي الممتد؟
الميليشيات كجريمة سياسية: حين تتحول الفوضى إلى مشروع
في أكثر مقاطع الخطاب كثافةً ودلالة، يقدّم الرئيس السيسي ما يمكن اعتباره إدانة تاريخية صريحة لمشروع تفكيك الدولة العربية، حين يحمّل “الأطراف التي نشرت الميليشيات” مسؤولية تدمير دول بأكملها في المنطقة.
هذا التوصيف لا يندرج ضمن اللغة الدبلوماسية التقليدية، بل ينتمي إلى مستوى أعلى من الخطاب، يقوم على إسناد المسؤولية الأخلاقية والسياسية لا مجرد توصيف الظواهر.
فاللافت أن الميليشيات لا تُعرض هنا كنتاج جانبي للفوضى، بل كأداة بنيوية لإنتاجها، وكوسيلة جيوسياسية لإعادة هندسة المجال السياسي من الداخل عبر تفكيك الدولة المركزية وتحطيم احتكارها المشروع للقوة.
الميليشيا، بهذا المعنى، ليست فاعلاً سياسياً بقدر ما هي تقنية تفكيك تُستخدم لإضعاف الدول من داخلها.
والأهم أن الخطاب لا يتوقف عند نقد الظاهرة، بل يعلن ما يشبه عقيدة الدولة الوطنية المصرية بصيغة صلبة، قوامها الرفض القاطع لأي مساعٍ لتقسيم الدول، أو اقتطاع أراضيها، أو إنشاء كيانات موازية للجيوش والمؤسسات الشرعية.
نحن هنا أمام تعريف وجودي للصراع في الإقليم: ليس بين أنظمة ومعارضات، ولا بين أيديولوجيات متنافسة، بل بين نموذجين متضادين للحكم، نموذج الدولة المركزية الحديثة، ونموذج الفوضى المُدارة عبر الفاعلين من غير الدول.
أما جملة “افتخروا ببلدكم… منذ عام 2013 لم تشارك مصر في أي مؤامرة لتدمير المنطقة”، فهي لا تؤدي وظيفة خطابية عاطفية، بل تمثل تموضعاً أخلاقياً استراتيجياً داخل النظام الإقليمي، تسعى من خلاله مصر إلى تسجيل نفسها خارج سردية الخراب العربي الممتد منذ 2011، لا كطرف محايد فقط، بل كفاعل يقدّم نفسه شاهداً أخلاقياً على ما جرى.
وتتوج هذه الفقرة بأخطر حكم في الخطاب كله: “سيحاسب أولئك الذين فعلوا ذلك”، وهي ليست تهديداً قانونياً بقدر ما هي إعلان محاسبة تاريخية مؤجلة، تُنقل فيها المسؤولية من ساحات السياسة إلى محكمة الذاكرة والشرعية والسردية الكبرى للتاريخ.
بهذا المعنى، لا يتحدث هذا الجزء عن دول بعينها، ولا عن صراعات محددة، بل يؤسس لإطار تفسيري شامل يرى ما جرى في الإقليم كصراع وجودي بين بقاء الدولة أو انقراضها.
غزة في الخطاب: من قضية إنسانية إلى معادلة أمن دولي
في الجزء المتعلق بغزة، لا يتحدث الخطاب بلغة عاطفية فقط، بل بلغة مصلحية دولية دقيقة. فرفض تهجير الفلسطينيين لا يُطرح كقضية أخلاقية فقط، بل كخطر مباشر على استقرار أوروبا والنظام الدولي، عبر موجات نزوح كبرى ذات تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية.
هنا تتحول مصر من مجرد طرف داعم إلى فاعل مركزي لا يمكن تجاوزه، حيث يتم تدويل القضية الفلسطينية عبر ربطها بالأمن الأوروبي والمتوسطي، بما يمنح الدور المصري بعداً يتجاوز الإقليم إلى هندسة الاستقرار الدولي.
إدارة الذاكرة وصناعة السردية التاريخية
إدراج شهداء حروب 1948 و1956 و1967 و1973 وشهداء الإرهاب في سلسلة واحدة ليس تفصيلاً إنشائياً، بل ممارسة سياسية واعية تُعرف بـ هندسة الذاكرة الوطنية.
الهدف هو دمج الماضي بالحاضر في سردية واحدة تقول إن مصر تخوض معركة طويلة مستمرة من أجل بقاء الدولة ذاتها.
بهذا الدمج، يتحول الحاضر إلى امتداد طبيعي لمعركة تاريخية، وترتفع كلفة أي اعتراض سياسي، لأنه يصبح رمزياً اعتراضاً على “ سلسلة التضحيات ”.
الخلاصة الاستراتيجية
في جوهره العميق، يقوم الخطاب بثلاث عمليات كبرى في آن واحد:
1- تأميم الألم (الشهداء) لصناعة وحدة وجدانية.
2- تسييج السياسة بالأمن عبر سردية الفوضى والتفكيك.
3- تدويل المصلحة المصرية عبر ربط غزة والهجرة بالأمن الأوروبي.
وبذلك لا يقدم الخطاب مجرد دفاع عن سياسات قائمة، بل يصنع سردية دولة كاملة:
مصر كجزيرة استقرار في عالم فوضوي، والوعي كخط الدفاع الأول،
والدولة الوطنية كآخر حصن ضد التفكك.
إنه خطاب لا يجيب عن سؤال: من يحكم؟
بل يعيد طرح السؤال الأخطر:
هل تبقى الدولة أم تنهار؟
وفي هذا التحول تحديداً تكمن عبقرية ما وراء السطور.
اقرأ أيضاً
مصطفى بكري: خطاب الرئيس السيسي في قمة الدوحة تاريخي.. وحان الوقت لتشكيل قوة عربية مشتركةالمؤتمر: خطاب الرئيس السيسي أمام النواب بمثابة خريطة طريق لمستقبل مصر

















0 تعليق