شارل ديغول كان هنا - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
شارل ديغول كان هنا - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 12:04 مساءً

"البلاد متماسكة، ويحتاج الأمر إلى الكثير لإسقاطها. وعندما يحدث ذلك، لن أكون بعدُ في هذا العالم. وسيقولون: آه! لو كان ديغول هنا. لكن لو كان ديغول هنا، لتكاتفوا جميعًا من أجل عرقلة طريقه. أنا عدوّهم. عدوّ التسويات والترتيبات، وعدوّ جمهوريّة المصالح، وعدوّ الشلليّة والمحسوبيّات" (من كتاب de Gaulle C’était للكاتب والوزير ألان بيرفيت، صدر بعد الوفاة).

 

أفتقد قيمكَ الصلبة، وأخلاقكَ، ومعاييركَ في ممارسة الحكم، يا فخامة الرئيس، حيث لم يعد ثمّة أخلاق ولا قيم ولا معايير في ممارسة السلطة والحكم، وفي إدارة الشأن الأمميّ العام.

أتذكّر تمامًا آنَ وقفت النخب السياسيّة والاقتصاديّة ضدّكَ، والإعلام ضدّكَ، ورهطٌ من اليسار واليمين وقف ضدّكَ، وتخلّى قسمٌ  من الشعب عن حمل القيم التي ناديتَ بها، فبقيتَ حتّى آخر لحظة متمسّكًا بها، عارفًا أنّكَ قد تبقى وحيدًا... ولن تندم.  

 

كنتَ دعوتَ الفرنسييّن إلى ذلك الاستفتاء الشهير في نيسان 1969، في شأن إصلاحاتٍ إداريّة تتعلّق باللّامركزيّة ودمج مجلس الشيوخ، رابطًا مصيركَ السياسيّ بنتيجة التصويت، ولمّا لم يمحضوك سوى 52.4 في المئة، أغلقتَ البابَ وراءكَ، ومضيتَ.  
قبل ذلك، في مساء 28 كانون الأوّل 1968، دمّرتْ فرقة كوماندوس إسرائيليّة 13 طائرة مدنيّة وطائرة شحن لطيران الشرق الأوسط، فقرّرتَ معاقبة إسرائيل، بوقف تسليم قطع الغيار الفرنسيّة للأسلحة والمعدّات العسكريّة الإسرائيليّة، لأنّها تجرّأتْ على بيروت، ومطارها الدوليّ، وأسطولها الجوّيّ التجاريّ.

في كلّ مواقفكَ، وحيث كان يدعو الأمر إلى المفاضلة بين القبول بالصفقات والمظالم، والتشبّث بالقيم والمعايير والقوانين والكرامات، كنتَ تقول لا للأمم، من دون أنْ تحسب حسابًا للربح أو للخسارة. لأنّكَ بكلّ بساطة، رجل دولة، تحترم نفسكَ، وشعبكَ، ودولتكَ، والأخلاق، والقيم.  

 

لا أحد رجل دولة في العالم، اليوم. فرنسا، يا حسرة! أوروبا كلّها، لو حملنا قنديل ديوجين، بحثًا عمّن يوازيكَ، لما عثرنا على نظيرٍ لكَ، ولا بالذكاء الاصطناعيّ.  

 

هل أحدّثكَ عن الولايات المتّحدة، عن رئيسها الكوميسينجي المقاول البلطجيّ المتنمّر الأشمّ؟ عن القيصر الروسيّ، عن أمبراطور الصين، عن الوليّ الإيرانيّ الفقيه، ومندوبي ذي الجلالة، والناطقين باسمه، وعن الأمم المتّحدة، والقانون الدوليّ، وغرينلاند، وكندا، وفلسطين، ولبنان، والسودان...؟  

 

أكتب هذا المقال، ناظرًا إلى الحال المهينة التي وصل إليها القانون الدوليّ، والعلاقات بين الدول، ناظرًا في شكل خاصّ إلى الصمت الذي يعتري العالم حيال المجازر والمظالم التي تتعرّض لها الشعوب، مذكّرًا بالقيم والمعايير التي آمنتَ بها، مؤسّسًا لشرعيّتكَ التاريخيّة والأخلاقيّة، مؤمنًا بعظمة الدولة، مقدّمًا مصلحة المستقبل والسلام على الحسابات القوميّة الضيّقة، معلنًا استقلالكَ عن الهيمنة الأميركيّة، بسحب فرنسا من القيادة العسكريّة لحلف الناتو في العام 1966، رافضًا التبعيّة السياسيّة أو العسكريّة، وأنْ تكون بلادكَ تابعة لأيّ قوة عظمى، معتبرًا أنّ القرار الوطنيّ يجب أنْ يُتّخذ في باريس لا في واشنطن أو موسكو، وأنّ القائد الحقيقيّ يستمدّ شرعيّته من خدمة الأمّة على المدى الطويل، لا من إرضاء الرأي العام الآنيّ، جاعلًا من الكرامة الوطنيّة مبدأً مركزيًّا في السياسة الخارجيّة، مدافعًا عن السيادة الوطنيّة، في تقديم رؤية بعيدة عن الاصطفاف الأيديولوجيّ الأعمى.

 

كنتَ يا صديقي الكبير رجل دولة تاريخيًّا: قاومتَ حين استسلم الآخرون، وحسمتَ خياركَ عندما تردّد غيركَ، وغادرتَ السلطة حين شعرتَ أن الشعب لم يعد يريدكَ.

 

في حياتكَ اتّهموكَ بجنون العظمة والاستبداد، وبعد غيابكَ راحوا يتحسّرون قائلين لو أنّ ديغول هنا.

أيّها الحكّام، تذكّروا أنّ شارل ديغول كان هنا. لكن من العار أنْ تكونوا أنتم هنا. إذهبوا إلى الجحيم!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق