معنى الثورة.. لماذا نجحت «يوليو» وفشلت «يناير»؟ - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
معنى الثورة.. لماذا نجحت «يوليو» وفشلت «يناير»؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 10:22 صباحاً

الثورة ليست مجرد شعارات تُرفع أو احتجاجات تُنظم في الشوارع، ولا تُقاس بعدد الهتافات أو حجم المشاركة الجماهيرية، بل هي تحول جذري وشامل يمس كافة أبعاد المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية. وعندما نتمعّن في التاريخ المصري الحديث، نجد أن هناك تجربة واحدة تتجسد في هذا المعنى بالكامل، وهي ثورة 23 يوليو 1952.

لقد أنهت ثورة يوليو نظامًا ملكيًا تابعًا، وأقامت الجمهورية، وأعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر تحولات عميقة في بنية الاقتصاد والملكية والتعليم والثقافة. ولم يقتصر التغيير على السياسة، بل امتد إلى الوعي الجمعي والفن والأدب والخطاب العام، ما جعل يوليو لحظة تحول تاريخي شامل، لم تكن مجرد انتقال للسلطة بل إعادة بناء المجتمع من أساسه.

والمفارقة اللافتة، التي تكشفها بوضوح مذكرات عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، أن كثيرًا من هؤلاء لم يكونوا ثوريين بالمعنى الفكري العميق، بل إصلاحيين محدودي الأفق، ينطلقون من تصور يهدف إلى تصحيح النظام الملكي أو تعديله، لا إلى هدمه وإعادة بنائه من الجذور. وتُظهر هذه المذكرات أن مستوى وعيهم السياسي والاجتماعي كان أقل بكثير من المسار الجذري الذي انتهت إليه ثورة 23 يوليو، مما يجعل دورهم محدودًا مقارنة بالتحولات الضخمة التي أحدثتها الثورة.

كان العامل الحاسم الذي حوّل 23 يوليو من انقلاب عسكري محدود إلى ثورة حقيقية مكتملة هو جمال عبد الناصر، من خلال قدرته على التخطيط ووعيه العميق بالعلاقة بين الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، وامتلاكه رؤية واضحة لبناء دولة حديثة ومستقلة القرار، استطاع أن يدفع الثورة إلى ما هو أبعد من نوايا كثير من رفاقه.

لم يكن جمال عبد الناصر مجرد قائد للثورة، بل كان العقل الثوري الذي افتقده الكثير من رفاقه في تلك اللحظة التاريخية. لقد جسّد الثورة في شخصه، بينما ظل بعض رفاقه أسرى تفكير إداري أو إصلاحي تقليدي، عاجزين عن استيعاب عمق التحولات الجذرية المطلوبة في مجتمع مأزوم كالمجتمع المصري آنذاك.

في المقابل، جاءت انتفاضة 25 يناير 2011، مع كامل الاحترام لتضحيات شهدائها ونبل دوافع بعض المشاركين فيها، بلا قيادة موحّدة، ولا مشروع تغيير متكامل، ولا تصور واضح لبناء الدولة بعد إسقاط رأس النظام. ولهذا لم تتحول إلى ثورة، بل انزلقت إلى فراغ سياسي أدى إلى سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دفعت الدولة والمجتمع ثمنها باهظًا. ومع ذلك، ساهمت هذه الانتفاضة في كبح نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع والدولة، كواحدة من نتائجها الإيجابية، بعد أن أظهر إخفاق الجماعة في إدارة الحكم مخاطر مشروعها على الدولة الوطنية.

ولا يمكن فهم توغل الإخوان في المجتمع والدولة باعتباره وليد لحظة 25 يناير فقط، بل هو نتاج مسار طويل بدأ في عهد أنور السادات، الذي يمكن اعتباره المؤسس الثاني للجماعة بعد أن أعاد دمجها في المجال العام وفتح لها المجال السياسي والاجتماعي، بوصفها أداة في مواجهة التيار الناصري واليسار. ثم جاء عهد حسني مبارك ليمنح الجماعة مساحة أوسع للتغلغل الاقتصادي والاجتماعي، فسمح لها ببناء شبكات مصالح ومؤسسات واقتصاد موازٍ، ودولة داخل الدولة، تحت مظلة من التسامح الأمني والسياسي المحسوب.

وقائع التاريخ تؤكد أن الثورات لا تُقاس بعدد المشاركين فيها ولا بحجم الشعارات، بل بعمق الوعي الذي يقودها. ولهذا كانت ثورة 23 يوليو 1952 الثورة الوحيدة التي غيّرت مصر من جذورها، لأنها امتلكت مشروعًا واضحًا، ورؤية شاملة، وقائدًا تجاوز حدود رفاقه، وحوّل انقلابًا عسكريًا محدودًا إلى ثورة أعادت تشكيل الدولة والمجتمع معًا، وهو ما غاب للأسف عن انتفاضة 25 يناير 2011.

اقرأ أيضاً
درية شفيق.. من الانتحار السياسي إلى الانتحار الجسدي

66 عامًا على وضع حجر الأساس.. السد العالي «حكاية شعب»

إبراهيم عيسى.. الندّابة التي ترتدي حمالات مثقف ونظارة عمياء

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق